منذ 1 شهور | 1139 مشاهدات
إذا كنت تعرف أن النهضة الإسلامية تشمل بالضرورة كل جوانب الحياة، الأخلاقية والإجتماعية والإقتصادية والسياسة (إذا لم تكن تعرف فعليك أن تراجع فهمك للنهضة أو فهمك للإسلام نفسه)، وإذا كنت توافقنا على أن العمل السياسي يجب أن يترك لتنظيماته (راجع المقال السابق)، فهل بقي لتنظيمات الدعوة، الإخوان أوغيرها، دور في الحياة السياسية؟ .. نعم، بل ودور ضروري لا يمكن لغيرها القيام به، فللحياة السياسية أبعاد مختلفة ليس العمل إلا واحدا منها .. لكن علينا أولا أن نفهم لماذا يوجد "تنظيم الدعوة" قبل أن نتناول علاقته بالسياسية.
لكل تنظيم، شركة تجارية أو إدارة حكومية أو مؤسسة تعليمية أو نادي رياضي .. إلخ، هدف محوري هو مبرر وجوده، وهو الذي ينبغي أن يحكم بنيته التنظيمية ومنهجه في العمل ونوعية أعضائه ومؤهلاتهم، وغيرها من الإعتبارات التي تختلف من مجال لآخر، وقد يتطلب الأمر أن يولي التنظيم بعض الإهتمام لمجالات أخرى تساهم في رفع قدرته على القيام بوظيفته ليأخذ منها بالقدر الذي يخدم هدفه، فعلى سبيل المثال تهتم النوادي الرياضية بنشاط ذي طابع تجاري (كإستغلال لاعبيها في الدعاية والإعلان) حتى تتمكن من تمويل نشاطها، وتهتم الشركات الصناعية بإنشاء أقسام للبحوث تربطها ببعض المؤسسات الأكاديمية لتستفيد من الأبحاث العلمية .. وهكذا.
إن وظيفة تنظيم الدعوة الإسلامية ومبرر وجوده هو حشد الجماهير وتحريكها خلف هدف إستعادة حكم الإسلام لكل جوانب الحياة، وهذا يتطلب نشر الثقافة الإسلامية مع إعطائها المضامين اللازمة لمواكبة الحياة المعاصرة وتنقيتها من الشوائب التي لحقت بها، سواء بسبب عمليات التغريب أو خلال عصور الإنحطاط، ثم توجيه الجماهير ودفعها للإلتزام بتعاليم الإسلام في العلاقات الشخصية والإجتماعية، وقد أدرك مؤسس جماعة الإخوان (رض) هذه القضية، وتجلى هذا في أسلوب بناء الجماعة ومنهج قيادتها، فابتعد عن كل ما يشوش على مهمته المحورية (بإستثناء النظام الخاص الذي ما زالت دوافع إنشائه غامضة عندي ويبدو لي غير متسق مع مجمل أسلوبه في العمل)، فإبتعد، مثلا، عن الخوض في خلافات المذاهب والفرق، ويترك للأخ المسلم بأن يختار لنفسه واحدا من المذاهب المتبوعة ويلتزم به، وإذا كان قد تعرض لبعض الجوانب السياسية (أو الإقتصادية) فلم يكن ذلك لصياغة برنامج للعمل السياسي (أو الإقتصادي)، وإنما كان يريد فقط أن يوضح شمول الإحياء الإسلامي لكل جوانب الحياة وقيمته في تحسين واقع الأمة (راجع مقال "رسائل الإمام .. البحث عن النظام السياسي"، ومقال "ماذا عن النظام الإقتصادي")، ولم يكن ترشح بعض الإخوان للإنتخابات البرلمانية قرارا بدخول معترك العمل السياسي، وإنما كان الهدف هو إستخدام البرلمان كأداة للدعوة، بدليل أنه عندما عرض عليه النحاس الإنسحاب من الترشح مقابل حصول الدعوة على تسهيلات أكبر قبل على الفور .. هذا القائد الملهم (بحق وحقيق) تعاطى مع السياسة فقط ليوضح طبيعة الحل الإسلامي، وسنوضح في ما بعد مفهوم العمل السياسي الذي إختلط بالدعوة عند الأجيال التالية من جماعة الإخوان، بعد أن نتعرف أولا على المستويات المختلفة للنشاط السياسي التي يمثل العمل واحدا منها.
يقسم أساتذة العلوم السياسية مجالها لعدة مستويات يختلفون في عددها وأسمائها، ولأغراض هذا البحث سنختار التمييز بين مستويات الفكر والتنظيم والنظام والممارسة (سنوضح الفروق بينها في ما بعد) لكنهم يتفقون على أن التعامل مع كل مستوى يتطلب مناهج وأساليب وأدوات تناسب، ويستتبع ذلك إختلاف مؤهلات وخبرات الرجال ونوع المؤسسات التي يعملون في إطارها.
يتعلق مستوى الفكر بصياغة مجموعة متكاملة من المبادئ والأهداف والقيم العامة المرتبطة بالحياة السياسية وعلاقة السلطة بالشعب، والفكر بطبيعته ينحو للعمومية والتجريد، لكن هذا لا يعني أن الفكر السياسي هو مجموعة من التأملات الفلسفية والإبداعات الفكرية غير المرتبطة بمجتمع معين، فهو ينطلق من الإنحياز الثقافي للحضارة التي ينتمي لها (راجع مقال "الخصوصية الثقافية"، و"مأزق العالمانية")، فلا يوجد فكر سياسي عالمي أو محايد، لذلك يعتبر الدكتور حامد ربيع رحمه الله أن الفكر السياسي هو "مدركات ثقافية للمفكر المرتبط بواقع أمته وحضارتها وتراثها"، ويربطه بالخصائص النفسية والعقلية والوجدانية لكل أمة.
وفي مراحل التغيير الكبرى يكون لوضوح الفكر السياسي وملائمته للظرف التاريخي أهمية قصوى، ومازالت حركة الإحياء الإسلامي تعاني من خلافات حادة حول عدد من القضايا المحورية، وهذه الخلافات تعكس نفسها في شكل تشوش بالغ لدى جماهير المسلمين حول ما ينبغي عمله، ناهيك عن الكلام عن كيفية عمله، والجماهير هي التي ستحدث التغيير لا المفكرون ولا القيادات، فكيف ينجح التغيير، مثلا، وهناك من يعد الديموقراطية فريضة شرعية بإعتبارها أفضل تطبيق ممكن للأمر بالشورى، وغيره يعارضه بأنها ليست المطلب الإسلامي ولكن يجوز العمل من خلالها تحت ضغط الظرف الراهن، وآخرون يقولون بلا مواربة أن الديموقراطية كفر .. ما هو أسلوب الشورى الذي ستطالب به الجماهير وتدافع عنه؟ .. الحركة الإسلامية في حاجة لبلورة موقف فكري واضح من المبدأ الديموقراطي ومن عدد آخر من القضايا المحورية (كطبيعة الجهاد ومسوغاته وإجراءاته، ووضع الأقليات غير المسلمة، والموقف من الأحزب العالمانية، والصيغة المعاصرة لوحدة الأمة .. وغيرها) .. الجماهير تسمع ممن تعتبرهم رموز إسلامية أفكارا متعارضة إلى حد التناقض، فكيف تتوقع منها أن تواصل العمل للإحياء الإسلامي إذا لم تكن تعرف ما هو هذا العمل المطلوب؟ وكيف سيمكنك إخبارها به إذا كنت لم تتفق بعد على المبادئ والأهداف التي لأجلها يتم العمل؟
ما هو دور جماعة الدعوة في هذا الخضم؟
إن صياعة منظومة فكرية سياسية معاصرة هو عمل نخبوي يناط بالصفوة من المفكرين السياسيين الذين يمتلكون فهما متكاملا للمعطيات السياسية والإجتماعية في تعاليم الإسلام بالإضافة إلى تمتعهم بإدراك عميق لتحديات الواقع المعاصر، فصياغة هذه المنظومة ليست من مهام تنظيم الدعوة (رغم أن بعض هؤلاء المفكرين قد يكونون من أعضائه) لكنها ينبغي أن تكون من همومه، يرعى المفكرين ويدعمهم ويساعد في طرح الأسئلة ومناقشة نجاعة الإجابات .. لكن هذه المنظومة، بعد أن توجد بإذن الله، لن يكون لها أثر في التغيير إلا بعد أن يتم تمثلها وترجمتها إلى أفكار بسيطة في متناول الجماهير العريضة، وهي مهمة تحتاج لمؤهلات وخبرات تفتقر إليها النخبة المثقفة، وهنا يأتي دور خبراء الدعوة والتربية القادرون على التواصل مع الجماهير والحديث بلغتهم ولمس أوتارهم النفسية كي تنغرس هذه الأفكار في عقولهم ووجدانهم، وقد كانت هذه واحدة من أهم جوانب عبقرية البنا الذي أعاد صياغة أفكار رواد الإحياء الإسلامي، الأفعاني ومحمد عبده والكواكبي ورشيد رضا وإبن باديس وغيرهم، وأخرجها من ضيق حلقات النخبة ومؤلفاتهم لتتحول إلى قناعات ومطالب لأوسع الحركات الشعبية إنتشارا.
ليس المطلوب من جماعة الدعوة أن تقوم بنفسها بإنتاج منظومة فكرية سياسية إسلامية معاصرة، لكن المطلوب منها هو طرح الأسئلة الصحيحة (السؤال الصحيح هو نصف الطريق للإجابة) ودعم هؤلاء القادرين على تقديم الإجابات، ومناقشة هذه الإجابات إلى أن تتبلور المنظومة، ثم تعمل على تبسيطها وترويجها لتشكل رأي عام داعم لعملية التغيير الإسلامي .. ولله الأمر من قبل ومن بعد.