دلالات سقوط الإمارات .. تغير موقع إسرائيل في الإستراتيجية الأمريكية

منذ 4 ايام | 423 مشاهدات

 لا أنوي سرد وقائع التحرك السعودي، فقد باتت معروفة، لكن أريد أن أوضح ما ترجح عندي من أنها، إذا وضعت إلى جوار التهديدات لإيران وخطة ترامب لإعمار غزة، ستشير إلى تغير وضع إسرائيل في الإستراتيجية الأمريكية في منطقتنا، أو إلى تغير هذه الإستراتيجية نفسها .. المهم أن شيء ما قد تغير في قواعد اللعبة وفي علاقات اللاعبين، وأن هذا التغير ليس في صالح إسرائيل.

          إعتدنا على التفكير بأن السعودية والإمارات تدوران تماما في الفلك الأمريكي لا تبتعدان عنه أبدا، وأن تطبيعهما مع إسرائيل قضية محسومة، وبينما خلعت الإمارات برقع الحياء فإن السعودية ترغب في سيناريو يحفظ لها مكانتها الإدبية، ورغم ذلك فإنها لن تستطيع الإبتعاد كثيرا عن إسرائيل .. حسنا .. المواجهة السعودية الإماراتية الأخيرة يصعب فهمها في هذا الإطار، ربما لا نعرف كل الحقائق، لكن الواضح أن السعودية لم تقم بالتنسيق المسبق مع أمريكا، وأن ما قامت به لا يتفق مع السياسة الأمريكية كما نعرفها، بل ويتعارض معها في عدد من الجوانب، خاصة في ما يتعلق بإسرائيل، فكيف نفهم ما حدث؟

          يقولون أن "بن سلمان" إكتشف فجأة أن "بن زايد" يتآمر عليه، فقرر للتو إخراجه من اليمن، ثم كبرت في دماغه فقرر معاقبته بإخراجه من كل المواقع التي يسيطر منها على البحر الأحمر: سوقطرة والصومال وأرض الصومال والسودان .. هل هذا معقول؟ لا أقصد كونها مسألة شخصية، فليكن أن بن سلمان إستشاط غضبا فقرر الإنتقام، فهل يمكنه أن يقوم فورا بجمع كل المعلومات الإستخباراتية الضرورية، ورسم خطط العمليات وإعطاء التعليمات التفصيلية وتدريب الطواقم وتعبئة الموارد وحشد قوات يمنية حليفة على الأرض والتنسيق معها لتتم المواجهة بسرعة وبحسم وبنجاح فائق رغم ما يتمتع به الخصم من قوات مسلحة قوية وموارد إستخباراتية مدعومة من الموساد الإسرائيلي؟

          لدينا إحتمالين: الأول هو أن بن سلمان إكتشف المؤامرة مبكرا لكنه كتم إكتشافه وإستمر في تمثيل دور الصديق العبيط إلى أن يعد العدة ويرتب التحالفات، ثم إنقض بعد أن تجهز، لكن من الصعب أن نصدق أنه تمكن من إخفاء كل إستعداداته عن أعين المخابرات الأمريكية، فالأرجح أنها عرفت لكنها وجدت الأمر كله لا يستحق أن تنشغل به (سنعود لهذه النقطة في ما بعد).. والإحتمال الثاني هو  أن المسألة كلها مسرحية قاموا بها لأسباب لا نعرفها إقتضت أن يحل بن سلمان محل بن زايد كواجهة لإسرائيل في المناطق التي سيطرت عليها الإمارات.

          لاحظ أن ما قامت به السعودية أدى إلى تغير في موازين القوى في المنظقة سيكون له أثر على العربدة الإسرائيلية، فلكي تتمكن السعودية من ضرب القوات الإنفصالية المدعومة إماراتيا إحتاجت لقوات على الأرض، فتحالفت مع درع الوطن (إخوان اليمن)، الأمر الذي سيكون له تداعياته، وفي السودان إتجهت لتصفية مرتزقة الدعم السريع، فعرقلت خطوط إمداده الإماراتية من ليبيا، ومولت صفقة درون من باكستان للجيش السوداني، ومعروف أن أغلب كوادر الجيش السوداني، البديل الوحيد لمرتزقة الإمارات، هم من ذوي الإنتماءات الإسلامية، بالإضافة إلى تحالفه مع الإسلاميين منذ بداية المعارك، فإنتصار الجيش سيؤدي إلى إزدياد نفوذ الإسلاميين، كما حصلت الحكومة الصومالية على دعم سعودي كبير كان من نتيجته إلغاء الصومال لكل إتفاقياته مع الإمارات وإيقاف كل العلاقات معها، هذا يحرم الإمارات من السيطرة على مدخل البحر الأحمر ومن الإستفادة من أغلب إستثماراتها في الصومال .. تم هذا كله في ظل ما سمي "التحالف السني"، السعودية وتركيا وباكستان .. لا يمكن القول أن إسرائيل ستقبل بمسرحية تؤدي لزيادة النفوذ التركي والإسلامي في المنطقة.

          الأسئلة الأكثر أهمية هي: 1- ما هي دوافع بن سلمان؟ و2- كيف تمكن من فعلها؟ و3- ما موقف أمريكا مما حدث؟

          لا أتصور أن المشاعر القومية والحماسة الإسلامية قد تملكت بن سلمان فجأة، لكني قد أتصور أن تقديرا للموقف وصله من مخابراته أو مخابرات صديقة (تركيا يعني) وثق المؤامرات الصهيو-إماراتية لتقسيم مملكته (أطماعهما معلنة في أجزاء من أرض المملكة)، ومن المستبعد أن تتدخل أمريكا لحماية آل سعود، قياسا على موقفها من العدوان الإسرائيلي على قطر، بالذات وهي مشغولة بمغامرتها الفنزويلية وأطماعها الجرين لاندية ومواجهاتها الإيرانية وسعيها لضم كندا، لذلك ستتجاهل الصراع السعودي الإمارات لينتهي وفق موازين القوى المحلية طالما أن طرفي الصراع هم حلفاء لها .. فعلها إبن سلمان إذن ليحمي نفسه ويزيد نفوذه.

          أما كيف فعلها: لا أظن أن جيشه ولا أجهزته تملك الخبرات المطلوبة، لكن حلفاءه الترك والباكستان ساعدوه وتولوا القيام ببعض المهمات الصعبة، وهذا هو السبب في المفاجأة التي حلت بإسرائيل، وللتحالف السني مصلحة أكيدة في ما حدث، وسنري كيف سيتصاعد الوجود التركي في الصومال التي يستثمر فيها مليارات الدولارات منذ عدة سنوات، وفي السودان الذي بدأ توثيق علاقاته بها من أيام عمر البشير.

          أما الموقف الأمريكي، كما سيتضح أكثر في مقالات قادمة بإذن الله، فهو أن فاتورة دعم إسرائيل قد زادت عن الحد، بينما هي لا تحقق أي إنتصارات حقيقية لدعم المصالح الأمريكية (الذهنية الإسرائيلية اليوم محصورة في إستعادة مملكة داود)، بل يبدو على العكس، أن محصلة ما يعود على أمريكا يقدر كخسارة، وسيكون من الأفضل للسياسة الأمريكية لو قام حلفاء من أبناء المنطقة بحماية مصالحها دون إستفزاز للشعوب التي ستحتاج إلى تعاونها عندما تنشب الحرب العالمية، والتحالف السني كله من حلفاء أمريكا (راجع مقال "إستراتيجية تحرير فلسطين").

          قد ترى أن هذا السيناريو شديد التفاؤل .. ربما، لكنه لن يبتعد كثيرا .. وقد تسأل: ماذا لو فهموا دوافع بن سلمان  وحققوا له ما يريد بطريقة أخرى لا تضر بإسرائيل ولا تفتح الباب للإسلاميين؟ .. القضية عندنا ليست ما يريده بن سلمان، القضية هي أن ندرك ماذا تغير في وضع إسرائيل وفي طريقة أمريكا في إدارة المنطقة، فهذا الصراع لو كان قد نشب قبل الطوفان، إبان السيطرة الأمريكية الكاملة والبرطعة الإسرائيلية المتمددة، لكان قد تم حله بروح العائلة: كبح الإمارات وترضية السعودية دون التضحية بالمواقع الإسرائيلية المتسربلة بالرداء الإماراتي، ودون السماح لقوات ذات إنتماء إسلامي بالتمدد على الأرض في اليمن وفي السودان.

          إن وجود أسئلة عديدة لا نملك لها إجابات لا يمنعنا من تبين تغير حقيقي في المنطقة، لا نعرف حجمه ولا عمقه، لكن نعرف أنه يتجه لإضعاف إسرائيل .. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

شارك المقال