منذ 3 اسابيع | 2541 مشاهدات
ملحوظة قبل أن تقرأ: ترامب بدأ النزول من على الشجرة، يعلن الآن، قبل 12 ساعة من توقيت الضرب، أنه سيوقف ضرب محطات الطاقة لمدة 5 أيام لإجراء محادثات مع إيران، قارن هذا بتهديداته الوقحة مساء أمس، لكني لم أغير حرفا في المقال، مازال مفيدا في فهم هذا العك الترامبي.
المهلة تنفذ، وترامب مازال يتوعد، والحرس الثوري مازال يتحدى، وفي جولة على مواقع التحليل السياسي والإقتصادي والعسكري الكل يضرب أخماسا في أسداس، حتى لو إدعى بعضهم أن قادر على توقع شيئا ما .. سأحاول أن أستخدم أفضل ما فهمته خلال ليلة طويلة على الشبكة العنكبوتية لأرسم لك صورة عن الموقف .. المؤكد هو أننا نعيش ساعات حاسمة في تاريخنا وتاريخ العالم.
نظرية المباريات هي واحدة من أفضل أدوات التحليل لمثل هذه المواقف، وهي تخبرنا أن كل لاعب لا يعتمد في قراراته على تقديره لقوته وقوة خصمه فقط، بل يعتمد أيضا، وبدرجة كبيرة، على ما يظن أنه يعرفه عن أسلوب الآخرين في إتخاذ قراراتهم كي يدرس ردود أفعالهم قبل أن يتخذ قراره، فمن هم اللاعبون وما هي معلوماتنا عن طريقتهم في إتخاذ القرارات؟
اللاعب الأول هو دونالد ترامب، رجل أعمال ماهر لا يؤمن بالنماذج العلمية التي يستخدمها الخبراء لإتخاذ القرارات، فقد حقق نجاحا كبيرا بالإعتماد على حدسه الشخصي وقدرته الفائقة على فهم منافسيه والتلاعب بهم، وهو يثق في حدسه ويتخذ قراراته بعيدا، بدرجة أو بأخرى، عن الأجهزة وخبرائها وطرقهم "العلمية" (المخابرات والخارجية والبنتاجون)، والجميع يعرف أسلوبه المناور والمخادع الذي يضغط به على الخصم بكل الطرق ليرغمه على البيع بأقل سعر، والإيرانيون يعرفون طريقته، وهو يظن أنه يعرف طريقتهم (على أساس أن كل الناس يوازنون بين الربح والخسارة الماديين، والمهم هو كيف تقنعهم أن صفقتك هي الأفضل لهم)، مع أن الأسابيع الثلاثة الماضية أثبتت أن ردود أفعالهم ليست كما توقع، وأنه لا يعرف طريقة خصمه في التفكير ولا العوامل التي تؤثر عليه، لكن من هو خصمه؟
أغلب المراقبين يرون أنه ليس المرشد الجديد، ولكنه جنرالات الحرس الثوري الذين تولوا القيادة في ساعات الصدمة الأولى، والمرشد إما أنه مصاب، أو أن الجنراىت قد خرجوا عن سيطرته، غير أن بعضهم يذهب إلى أنه يوافق الجنرالات لكنه يتجنب الظهور في الصورة ليحتفظ لنفسه بالقدرة على المناورة وتقديم بعض التنازلات إذا إدلهمت الأوضاع .. هؤلاء الجنرالات يفكرون بطريقة بعيدة عما يظن ترامب.
الحرس الثوري كيان عقائدي تربى منذ تأسيسه ليحمل نفسية كربلائية (نسبة إلى كربلاء، الموقعة التي إستشهد فيها الحسين (رض)) .. نفسية ترى في الإستشهاد غاية سامية، والشهيد في سبيل قضية عادلة يحقق نصره الشخصي بغض النظر عن نتيجة المعركة، وآخر ما يفكرون فيه هو الإستسلام، بينما صفقات ترامب تتجاهل هذه العوامل التفسية ولا تزن إلا الربح والخسارة بالموازين المادية.
أما اللاعب الثالث فهو الشارع المعارض الذي يراهن عليه ترامب ونتنياهو لتغيير النظام، وهو على الأرجح رهان خاسر، فأهم شرائح المعارضة تريد إصلاح النظام من موقف وطني مخلص، وتكره أمريكا وإسرائيل أكثر مما تكره النظام، وعندما يدعي العدو أنه يدمر جزءا من الوطن كي يسهل عليها إسقاط النظام فإنها تعد الإستجابة له خيانة، وعندما يواجه الوطن عدوانا فإنها تلتف حول القيادة لدحر العدوان ثم يكون لها بعد ذلك شأن آخر مع النظام (جربنا هذا في مصر) .. تهديد ترامب بقصف البية التحتية لن يدفع المعارضة الوطنية للضغط على النظام كي يستجيب، بل على العكس، سيدفعها لتناسي خلافاتها إلى حين .. هذا ليس رأيي، بل هو ما يراه أغلب المحللين، بإستثناء ترامب وزمرته.
إليك الطريقة التي يفكر بها الحرس الثوري في التهديد الترامبي، وهي طريقة علمية تماما:
لا يمكن أن يدمر ترامب كل محطات الطاقة في ضربة واحدة، فهذه الصدمة ستحرك الشارع ضد أمريكا لا ضد النظام، وسيكون أول رد فعل هو الإلتفاف حول القيادة في محاولتها لتنفيذ الضرية الإنتقامية، وهذه الضربة الواسعة ستؤدي لخسائر جسيمة في منابغ التفط والغاز، وهذا سيخلق إنهيارا في الأسواق العالمية يؤدي إلى ركود إقتصادي عميق وطويل، الأمر الذي سيؤدي لخسارة ترامب لمنصبه حتى لو إنتصر عسكريا، والحرس على يقين أن ترامب لن يقدم على هذه المغامرة .. كيف سينفذ تهديده إذن؟ .. سيضرب محطة أو محطتين، حوالي 10% من إجمالي القدرة، ليثبت جديته، وعندها سيقوم الحرس فورا بتدمير 10% من منابع الطاقة، ماذا سيكون الموقف؟
شبكات الطاقة الإيرانية مصممة تحت التهديد والحصار، وكل منها تعتمد على عدة مصادر، وضرب محطة أو محطتين ربما يقلل من القدرة الكلية، لكن لن تعيش أي منطقة في إظلام كامل، خلال ساعات ستتم الإصلاحات وكل ما في الأمر أنهم ربما يضطرون لخفض الأحمال وقطع التيار ساعة أو ساعتين، والشعب الإيراني معتاد على هذه الممارسة في الصيف، أما ضرب 10% من منابع الطاقة فسيكون له تأثير مختلف، هذا ليس مثل إغلاق المضيق، فالمضيق يمكن فتحه فورا بمجرد إنتهاء الأزمة، أما الآبار المدمرة فتحتاج سنوات لتشغيلها، لذلك فإن التوقعات هو أن ضرب 10% من المنابع سيرفع سعر البرميل فورا إلى 150 دولار (كل المخاطر التي نتجت عن إغلاق المضيق رفعت السعر من 70 إلى حوالي 105، وبعد التهديد وصل إلى 112 دولار للبرميل) .. هذا سيحرك ضغوط هائلة، وإذا لم يستجب لها ترامب وقصف عدة محطات أخرى (وهذا سيجعل حياة الإيرانيين صعبة فعلا) فإن الرد الإيراني سيفاقم أزمة الطاقة ويؤدي إلى إنهيارات متلاحقة في البورصات، وهذه توقعات لخبراء المال وليست تخميناتي، عندها سيواجه ترامب ضغوطا هائلة من شعبه وأجهزته ورجال أعماله والعالم كله، ولن يستطيع الإستمرار في خطته، فكما قلنا: تدمير منابع النفط والغاز يختلف تماما عن إغلاق المضيق الذي يريد فتحه (كانت البورصات في عطلة عندما أعلن ترامب تهديده، وعندما فتحت اليوم خسرت 1.5% في أول ساعة عمل .. ساعة واحدة من تهديد لم ينفذ بعد).
يعد الإيرانيون عدتهم لمواجهة التهديد على أساس هذا التحليل، وقد رصد عدد من المراقبين هذه الإستعدادات، ولا تستبعد أن يكون الإيرانيون هم الذين سهلوا عملية الرصد ليحملوهم على دق ناقوس الخطر، ويبدو أن الأجهزة الأمريكية التي إعتاد ترامب على إستبعادها قد بدأت في التحرك لوقف هذه العملية المتهورة، ليس لصالح إيران وإنما لصالح أمريكا، وهم يراعون في حركتهم الذات الترامبية المتضخمة التي سيصعب غليها الإعتراف بالخطأ، وقد بدأت كل منها ترسل رسائلها، كل في مجاله (المخابرات والبنتاجون وأجهزة الخارجية وبنك الإحتياطي الفيدرالي)، بالإضافة إلى إرتفاع أسعار النفط وتراجع مؤشرات البورصات لمجرد التهديد وقبل أن يبدأ التنفيذ.
المشكلة أن الذات الترامبية المتضخمة سيصعب عليها النزول من على الشجرة، لذلك بدأت تتردد مقترحات عديدة للطرق التي يمكن بها توفير مظلة آمنة للهبوط، لكنها كلها، كل ما قرأته، يعتمد على تعاون جنرالات الحرس في خلق قصة وهمية تخفي حقيقة أن ترامب يتراجع .. هل سيتعاونوا؟ وإذا أبدوا إستعدادا للتعاون اليوم فهل سيضمن ترامب أنهم لن يفضحوه عندما تستتب الأمور.
باقي 12 ساعة وأنا أكتب هذه السطور .. هل سينزل ترامب من على شجرته على أساس أن خسارة مؤقتة لكبريائه سيمكنه علاجها ببعض الكذبات التي يتقنها هي أرحم من خسائر مادية فادحة لن يمكنه إخفائها، وقد يخسر بسببها، على الأرجح، منصبه خلال بضع شهور .. أم سيتراجع الحرس الثوري في اللحظات الأخيرة؟ .. حتى الآن لا توجد أي مؤشرات على ذلك، فهم مقتنعون، حسب تحليلهم، أنه حتى لو أقدم ترامب على تنفيذ وعيده فإن خسارتهم المادية مهما كانت جسيمة ستكون ثمنا مقبولا للنصر الذي سيتحقق عندما ينكسر ترامب بسبب الكارثة التي سبتسبب فيها.
ساعات حاسمة، ومهما حدث فإن منطقتنا لن تعود كما كانت، وستعاني نظم الخليج بشدة عندما تدفع ثمن إدخالها الحية في عبها، ولله الأمر.