19- ألغاز ترامبية .. ماذا تريد أمريكا؟ وماذا تستطيع؟ وماذا ستفعل؟

منذ 2 اسابيع | 1680 مشاهدات

ليس الفضول هو ما يدفعنا لنسأل ماذا تريد أمريكا، إنما نسأل لنعرف ما هذا الذي إذا حققته ستوقف عدوانها.

الواقع أن ترامب يبحث الأن وعلى عجل عن شيء ليقول أنه يريده طالما أنه يحارب فعلا، أما أمريكا الدولة فلم تكن تريد حربا من الأصل، فكل أجهزتها المسئولة عن جمع المعلومات وتحليلها (المخابرات والخارجية والبنتاجون) للتعرف على مكامن الخطر وإحتمالاته وفحص البدائل الممكنة لمواجهته قد أفصحت، كل بطريقته وبأسلوبه، عن أنها لم تجد خطرا حالا من جهة إيران ولم تقترح حربا عليها، هذه حرب شنها دونالد ترامب لأهداف لا يعرفها أحد، هناك العديد من التكهنات، شخصيا أرجح ما يتعلق بتسريبات إبستين، أستبعد أنه أراد فرقعة للتغطية على الفضيحة، وأصدق أن الموساد تملك نسخة من هذه المستمسكات إستخدمها نتنياهو للضغط عليه، بعد أن أقنعه أن الموساد لديه الخطط والأدوات والعملاء داخل إيران بما يضمن قيام إنتفاضة شعبية تسقط النظام بمجرد أن يتلقى عدة ضربات سريعة كافية لإضعافه، فترامب لم يكن يتصور أن تلك العملية الخاطفة ستتحول إلى حرب حقيقية، فقد إفترض أنه بعد إغتيال القادة سيفي الموساد بوعده ويسقط النظام خلال أسبوع ليعطيه نصرا يتباهى به.

عندما تكون الأجهزة المتخصصة هي التي تقوم بإتخاذ قرار الحرب فإنها تحدد أولا هدفا واضحا، وتدرس السيناريوهات المختلفة لسير العمليات العسكرية وتضع لكل سيناريو خطته، وتضع على الأخص خطة للتراجع إذا إتضح أن الهدف بعيد المنال أو أن تكلفة الحرب صارت تتجاوز قيمة الهدف، لا يبدو أن هذا قد حدث، فقد أصدر الرئيس، القائد الأعلى للقوات المسلحة، أوامره بالقيام بعملية عسكرية معينة وعلى عجل، ويمكنك أن تتصور رئيس الأركان وهو يسال: وماذا بعد هذه العملية؟ فيأتيه الرد: لا شيء، سيسقط النظام من الداخل.

يظن الكثيرون أن أمريكا التي تمتلك أقوى جيوش العالم قادرة على أن تنتصر في أي حرب تخوضها، هذا غير صحيح، فالواقع أن أمريكا لم تنتصر بعد الحرب العالمية الثانية في أي حرب، إنسحبت من فيتنام ومن إفغانستان إنسحابا مهينا، وفشلت في العراق فشلا إستراتيجيا واضحا، لذلك يعاني الشعب الأمريكي من حساسية كبيرة تجاه أي حرب طويلة، وإذا أضفت إلى ذلك أن إغلاق المضيق رفع سعر الطاقة بحوالي الثلث (ومعه كل الأسعار) فستفهم لماذا يبحث ترامب الآن بلهفة عن شيء ما يضغط به على الإيرانيين كي يقدموا له تنازلا ما، أي تنازل، يمكنه الزعم بأنه كان الهدف من هذه الحرب، فيأخذه وينصرف.

لكن لا أحد يعرف لماذا إختار أن يهدد بتدمير محطات توليد الكهرباء، لعله لم يتوقع رد الفعل الإيراني فلم يحسب عواقبه (راجع المقال السابق)، فتعرض لضغوط كبيرة من الأجهزة الأمريكية ومن الشركات العملاقة، وقد قيل أن كبار ممولي حملاته الإنتخابية إتصلوا به وأبلغوه أنه إذا نفذ تهديده فلن يحصل على دولار واحد لحملة الحزب الجمهوري لإنتخابات نوفمبر المقبل، فأسقط في يده، لا يمكن تنفيذ التهديد في موعده، وذاته المتضخمة تمنعه من الإعتراف بالتراجع، فأعلن أنه يؤجل التنفيذ خمسة أيام، وقدم لذلك مبررا شديد السخافة، إذ زعم أن هناك مفاوضات تجري بنجاح (لماذا إذن كان التهديد؟) وأن الإيرانيون يبدون تجاوبا مع طلباته ويريد أن يعطيهم مهلة لإبرام إتفاق يتجنبون به تدمير بلادهم .. سارع الإيرانيون بنفي هذا الزعم .. لا توجد أي مفاوضات ولم تحدث أي لقاءات .. ورد ترامب بسلسلة من الكذبات المفضوحة والترهات الساذجة، سأعطيك بعض الأمثلة:

ساله الصحفيون: مع من تتفاوض إذا كانت كل القيادات الإيرانية قد أنكرت إجراء أي إتصالات؟ .. رد بأنه يتفاوض مع شخصية مهمة لكنه سيبقي الإسم سرا خوفا عليه من القتل! .. من الذي سيقتله؟ .. الإيرانيون؟ .. هو إذن ليس شخصية ذات وزن ولا قيمة لما قد يتوصلون إليه، فعلام التأجيل؟

ويردد: لست أنا الذي يريد التفاوض، بل هم الإيرانيون الذين يستجدونه، ثم يزمجر بعدها: على الإيرانيين أن يجلسوا للتفاوض قبل فوات الآوان، ويهددهم بالويل والثبور وعظائم الأمور إن لم يفعلوا .. هل يتكلم عن نفس الإيرانيين الذين يستجدون؟

وفي سياق آخر يقول أن غلق المضيق لا يؤثر على أمريكا لأن إنتاجها من النفط يغطي إحتياجاتها .. لماذا إذن يضج الأمريكيون من إرتفاع أسعار الوقود؟ .. الواقع أن شركات النفط الأمريكية تبيع إنتاجها بالأسعار العالمية لتحقيق أعلى ربح، فهي تعمل لصالح مساهميها، ولا شأن لها بمشاكل الأمريكيين أو حكومتهم.

 ويردد أنه يحارب لفتح المضيق، مع أنه أكد أن إغلاقه لا يمثل مشكلة لأمريكا، ويطلب من الأوروبيين مشاركته في هذه الحرب لأنهم هم المتضررون، فيردوا بأنها ليست حربهم .. لماذا إذن يحارب؟

حسنا .. لنتوقف عن محاولة الفهم، ولنسأل: ماذا سيفعل بعد إنتهاء المهلة؟ هل سينفذ تهديده الذي يكرر أنه مصر عليه؟ علام إذن كان التأجيل ما دام الإيرانيون يعلنون إصرارهم على عدم النفاوض؟ .. المضيق مازال مغلقا، والصواريخ مازالت تنهمر .. لابد أن يفعل شيئا وإلا كان ذلك إعلانا بإنتصار إيران.

يتردد في وسائل الإعلام عدد من المقترحات التي يمكن أن ينفذ بعضها أو كلها:

  • إحتلال جزيرة خارك التي تعد المنفذ ل90% من صادرات إيران البترولية كوسيلة لإجبار إيران على الرضوخ.
  • إحتلال جزيرة لارك التي تلعب دورا في الجهود الإيرانية لإغلاق المضيق.
  • إحتلال جزيرة أبو موسى لفتح المضيق بالقوة، وهي جزيرة إماراتية إحتلتها إيران عام 1979 زمن الشاة (يتشكك الكثيرون في أن هذا سيؤدي لفتح المضيق، لأن الصواريخ الإيرانية يمكن إطلاقها من أي مكان، ربما هي رغبة إماراتية).
  • القيام بعملية برية داخل الأراضي الإيرانية للإستيلاء على 450 كجم من اليورانيوم عالي التخصيب لإعلان إنتهاء إحتمالات تصنيع قنبلة نووية.

قيل أنه سيبدأ هذه العمليات، كلها أو بعضها، يوم الجمعة بعد إغلاق البورصات ليتجنب حدوث الإنهيار في أسعار الأسهم، وهذه مقامرة غير مأمونة العواقب، فالخسائر البشرية للعمليات البرية ستكون عالية، كما أن الجنرالات الإمريكيون قد سربوا ما يفيد أنه من الممكن إنزال القوات خلال يومي عطلة البورصات، لكن السيطرة على هذه المواقع ستتطلب زمنا أطول بكثير من يومي العطلة، فالإيرانيون قد ضاعفوا إستحكاماتهم الأرضية، ويضيف المراقبون أن نجاح هذه العمليات لن يعوق تنفيذ الإيرانيون لتهديداتهم المعلنة بشأن تدمير أهداف على الأراضي الخليجية.

وعلى الجانب الآخر لم يظهر جنرالات الحرس الثوري أي إستعداد للتراجع عن مطالبهم التي أعلنوها، على الأخص تعويضهم عن الأضرار التي سببها العدوان، كما لا يبدو أن المعارضة مستعدة للنزول للشارع، إما لأنها لا تريد إرتكاب ما سيفهم على أنه خيانة للوطن، أو لأنها تتوقع أن النظام سيستخدم أقصى درجات القمع متذرعا بحالة الحرب.

ومرة أخرى يعلن ترامب قبل يوم من إنتهاء المهلة الجديدة أن الإيرانيين قد طلبوا منه مد المهلة لسبعة أيام أخرى (لا تعرف من هم هؤلاء الإيرانيون الذين طلبوا) وأنه من عنده سيعطيهم عشرة، تنتهي في 6 إبريل .. والمضيق مازال مغلقا والصواريخ مازالت تنهمر .. لم أجد بعد البحث خلال الأيام الثلاثة الماضية في كل المواقع التي أعرفها أي تصور واقعي ومتماسك يمكنه أن يقود إلى حل سريع لهذا الموقف بالغ التعقيد الذي وجدت أمريكا نفسها عالقة فيه بدون أي سبب مفهوم .. لا تملك إلا القول بأن الغباء جند من جنود الله.

شارك المقال