منذ 1 اسابيع | 1264 مشاهدات
لا أحد يملك كرة بللورية، فنحن نتابع الأحداث ونسمع التصريحات ونحلل تحليلا منطقيا لنستشرف المستقبل، قد تعترض بأن اللاعب الرئيسي، دونالد ترامب، لا يمكنك الإعتماد على تصريحاته الكاذبة والمتناقضة، وقراراته تنطلق من إعتبارات ذاتية يتعذر فهم منطقها، فكيف يمكن للتحليل المنطقي أن يتنبأ بقراراته؟ .. معك حق، لكن المحللون يعتقدون أنه سرعان ما سيواجه بضغوط هائلة من العالم كله، بما فيها أمريكا، تدفعه في إتجاه محدد .. لكن سيظل الرجل البرتقالي قادرا على إتخاذ قرارات غير منطقية.
كلمة السر هي إغلاق مضيق هرمز، فقد أثبتت إيران قدرتها على أن تستمر في غلقه لفترة أطول مما يمكن للإقتصاد العالمي، بما فيه الأمريكي، أن يتحملها قبل حدوث تراجع كبير في الإنتاج الصناعي، بما يصاحبه من كساد وتضخم وبطالة وتراجع أرباح الشركات وإنهيار أسعار الأسهم وأزمة مالية حادة، وسيعاني عدد كبير من الدول من نقص المواد الغذائية وإرتفاع أسعارها، وسيدخل بعضها في حالة مجاعة.
المشكلة أكبر من إرتفاع أسعار النفط، فهذا ليس إلا حلقة أولى في سلسلة طويلة من الدورات الإنكماشية التي لن تتوقف إلا بعد فتح المضيق، ثم يستغرق الإقتصاد العالمي عدة سنوات ليستعيد عافيته، فالإقتصاد شبكة مترابطة من الأنشطة، كل منها يؤثر ويتأثر بالأخرى، وسيساعدنا فهم طبيعة العلاقات بينها على التعرف على طبيعة الكارثة التي يتعرض لها العالم.
عندما ترتفع أسعار الطاقة ترتفع تكلفة الإنتاج، فيضطر المنتجون لرفع أسعار منتجاتهم، وإرتفاع الأسعار سيقود لتراجع حجم المبيعات (القانون: إذا إرتفع السعر إنخفض الطلب)، عندها تضطر الشركات لخفض الإنتاج مع رفع الأسعار مرة أخرى (إن إستطاعت)، وسيقود هذا للإستغناء عن بعض العمال والإحتفاظ بما يحتاجه الإنتاج الأقل، فيزداد عدد العاطلين، والعاطلون يشترون سلعا أقل، فينخفض الطلب مرة أخرى (هذه المرة على كل السلع والخدمات بغض النظر عن إستهلاكها للطاقة)، فتضطر كل الشركات لخفض الإنتاج وتسريح العمال، وهكذا تستمر دورات الإنكماش .. ستتدخل الدول، لكن في ظروف النقص في المدخلات (غلق المضيق يخفض كمية النفط بنسبة 15-20%، ولا تنس خفض إنتاج الغاز) فإن الدول تستطيع تخفيض سرعة الإنكماش، لكنها غير قادرة على منعه، وأهم مظاهر الإنكماش هي نقص السلع وزيادة البطالة وإنخفاض الأرباح وأسعار الأسهم.
يعرف الإرتفاع المستمر للأسعار بالتضخم، وللتغلب عليه تلجأ البنوك المركزية لرفع الفائدة لتشجيع الناس على وضع أموالهم في البنوك بدلا من إنفاقها، وبذلك ينخفض الطلب على السلع فتنخفض أسعارها (أو تتوقف عن الإرتفاع، أو ترتفع بمعدلات أقل)، لكن الوجه الآخر لرفع الفائدة هو تحجيم قدرة كل الأنشطة الإقتصادية، حتى تلك التي لا تؤثر عليها أسعار الطاقة، على الإقتراض لتمويل عملياتها، الأمر الذي يعود ليفاقم تراجع الإنتاج الكلي وزيادة البطالة.
عندما تتراجع مبيعات الشركات فتقل إيراداتها، وتسريح بعض عمال الإنتاج يخفض النفقات، لكن ماذا عن النفقات التي لا يمكن تخفيضها؟ كالأجور غير المرتبطة بالإنتاج (رجال الأمن والمحاسبين والمحامين وغيرهم) والإيجارات وأقساط الديون وفوائدها وغيرها؟ إن الكساد يعوق رفع الأسعار، فتبدأ بعض الشركات في تحقيق خسائر تنتهي بها إلى الإفلاس، ومشكلة زيادة حالات الإفلاس ليست في نقص الإنتاج، فالشركات الصامدة لديها طاقة معطلة سيسعدها تعويضه، المشكلة هي أن الجهاز المصرفي لن يستطيع تحصيل ديونه من المفلسين، فتتراجع قدرته على الإقراض (وبعض البنوك يشهر إفلاسه) .. إن أزمات القطاع المصرفي ستعكس نفسها على كل قطاعات الإقتصاد بلا إستثناء.
ولا يقتصر تأثير غلق المضيق على النفط، فالخليج ينتج أقل قليلا من ثلث الإنتاج العالمي من السماد الصناعي، وغلق المضيق سيحجز نسبة كبيرة منه، بالطبع هناك أسمدة طبيعية لكن نسبة كبيرة من المحاصيل تعتمد على السماد الصناعي، ليست لدي معلومات عن النقص المحتمل في الإنتاج الزراعي العالمي، لكن لابد أنها نسبة مؤثرة، فقد إستشعرت بعض الدول المصدرة للحاصلات الغذائية خطرا على مواطنيها نتيجة الإرتفاع المتوقع للإسعار العالمية، فمنتجو هذه الحاصلات سيرفعون أسعارها المحلية إلى المستوى العالمي طالما كانوا قادرين على تصديرها، لذلك فرضت تلك الدول قيودا على التصدير لتبقي السلع الغذائية لمواطنيها وبأسعار معقولة .. لكن ماذا عن الدول التي تستورد غذائها؟
دعك من لعبة الأرقام: الأسعار والأرباح والتضخم والبطالة والفائدة والتعثر المالي .. إلخ .. هذه مسائل خطيرة .. لكن الأخطر منها هو نقص كمية السلع، سيعاني كل الناس من إرتفاع الأسعار، لكن بعضهم لن يجد ما يشتريه أصلا، المجاعة، أما الشركات فستعاني من خسائر ضخمة تضطرها لتصفية بعض خطوط الإنتاج وبيع بعض الأصول، هذا سيخلق لدى الشعب الأمريكي والشركات والسياسيين حالة من الغضب والرفض لدونالد ترامب، وسيطالبونه بالعمل على سرعة فتح المضيق الذي تسبب في غلقه، وسيضطر ترامب للتجاوب معهم حرصا على أمنه الشخصي، فإنتخابات نوفمبر على الأبواب، وإذا خسرها الجمهوريون فستشرع الأغلبية الديموقراطية فورا في إجراءات عزل الرئيس، ويتبع ذلك العودة لإجراءات المحاكمة الجنائية ثم السجن.
لقد إرتفع سعر النفط بحوالي 70% وتراجعت البورصات رغم كل المسكنات التي إستخدمها ترامب لتهدئة المضاربين، أول هذه المسكنات هو تصريحاته المتكررة بأن المضيق على وشك أن يفتح، تفقد التصريحات تأثيرها شيئا فشيء، وثانيها هو زيادة المعروض النفطي للتقليل من أثر إغلاق المضيق من خلال رفع العقوبات عن مبيعات النفط الروسي لمدة شهر ينتهي في 19 إبريل، وسيكون من المحرج تمديد هذا الإستثناء الذي أغضب الأوروبيين، بالإضافة إلى السماح لإيران ببيع نفطها الموجود داخل الناقلات في عرض البحر، وهذه الكمية ستنفذ، ولا يمكنه السماح لإيران بالإستمرار في إستخراج نفطها وبيعه، يعتقد المراقبون أن هذه المسكنات سينتهي أثرها بحلول منتصف إبريل، وبعدها ستبدأ الإسعار في الإنفجار لتصل إلى حوالي 250% من مستواها قبل العدوان .. لا يملك ترامب وقتا طويلا.
لقد فكر في فتح المضيق بالقوة، لكن الواضح أن جنرالاته أبلغوه أنهم قادرون على إنزال القوات وبدء العمليات، لكن الإستيلاء على الأراضي المحيطة بالمضيق سيستغرق وقتا طويلا وسيقع عدد من القتلى أكبر مما يمكن تقبله، وفي النهاية، عندما يستولون عليها، إذا تمكنوا، فإن الصواريخ الإيرانية ستظل قادرة على إغراق السفن في المضيق، ستستمر الأمور بالسير نحو الكارثة التي لن يتقبلها الشعب الأمريكي ولا الشركات الكبرى، ولن يغفروا لمن تسبب فيها .. يحتاج ترامب إذن لفتح المضيق في أقرب وقت، والخيار العسكري لن يسعفه (ربما كان لهذا الإكتشاف علاقة بإعفاء دستة جنرالات)، وهنا يأتي دور السيناريو الذي نظنه الأكثر إحتمالا:
يوقف ترامب العمليات العسكرية مدعيا أنه قد حقق كل أهدافه، وسيغض الطرف عن الرسوم التي ستفرضها إيران للعبور، ولن يصر على تعهد إيران بالتوقف عن محاولة إنتاج أسلحة نووية، على أساس أنه يراقبها بأقماره، وإذا رصد أي محاولة سيقوم بضربها، ومن جانبها ستعتبر إيران أن عدم الهزيمة هو إنتصار، وأن رسوم العبور هي التعويض الذي تطلبه .. لن يكون هذا من خلال إتفاقية، فترامب لن يرغب في نصوص تفصح عن من حصل على ماذا، سيدعي أنه حصل على كل ما يريد وينسحب مقابل فتح المضيق (متجاهلا رسوم العبور، على الأقل هذا ما يفهم من قوله للأوربيين إذهبوا أنتم وحلوا مشاكلكم في هرمز .. سيدفعون، فهذا أرحم من إرسال الجيوش)، وستستمر إيران وحزب الله في معركتهما مع إسرائيل التي ستنتهي بإذن الله بخروج إسرائيل من لبنان وعودة المقاومة لسابق عهدها كلاعب قوي على الساحة اللبنانية، أما منطقتنا فلن تعود كسلبق عهدها، كيف ستصبح؟ .. يتوقف ذلك على الطريقة التي ستسلك بها دول الخليج بعد الدرس الذي تعلمته من الحرب، إن كانت قد تعلمت شيئا، والله تعالى أعلى وأعلم.