21- مزيد من الألغاز الترامبية .. نفتح المضيق أم نغلق المضيق؟

منذ 14 ساعات | 492 مشاهدات

هذا رئيس لا يفهم مبادئ الإقتصاد الدولي، ولا يسأل الخبراء، وهو يقدم فرصة للصين لتنصب له فخا يوقعه في شر أعماله .. المشهد من أوله مثير للسخرية، كأننا نشاهد فيلما كوميديا لرئيس غشيم يتخبط في قراراته .. يحدد موعدا لتدمير إيران اذا لم تفتح المضيق، وقبل الموعد بسويعات يوقف القتال أسبوعين للتفاوض (رأيتها طريقة جيدة للنزول من على الشجرة، وبعد أسبوعين تفشل المفاوضات وينسى التهديد ويعلن أنه حصل على ما يريد وعلى العالم ان يحل مشكلته مع المضيق بنفسه .. هكذا فكرت وقتها)، وبعد اول يوم تفاوض يعلن الأمريكان أن الإيرانيين متصلبين ويغادروا باكستان .. هكذا من أول يوم؟ .. لماذا إذن كانت الهدنة أسبوعين؟ .. المسخرة هي أنه أثناء إنعقاد الجلسه أعلن ترامب من واشنطن أنه سيفتح المضيق بالقوة وسيشرع فورا في إزالة الألغام، وأن هناك ثلاث قطع بحرية في طريقها الآن لتنفيذ الأمر .. عجيبه! .. إذا كنت ترى نفسك قادرا على فتح المضيق بالقوة وفورا فعلام كان كل هذا الصخب والضجيج؟ .. لم تتردد البحريه الايرانيه (التي دمرها ترامب بالكامل من زمان) في إعلان أنها ستستخدم القوه لمنع عبور المضيق بغير إذنها، فانسحبت القطع الامريكية، وبسرعة أعلن ترامب أنه سيفعل العكس تماما .. ستقوم أمريكا بنفسها بإغلاق المضيق!! .. سبحان الله .. أليس هذا هو بالضبط ما كانت تفعله ايران ويزعج العالم؟ .. ماذا يريد هذا البرتقالي؟

 بحثنا عمن يشرحون القرار الأمريكي بواقعيه وبعيدا عن الطنطة الإعلاميه لنعرف اهدافه ..

هو يريد خنق ايران اقتصاديا وحرمانها من تمويل مجهودها الحربي، فلن يمكنها تحصيل رسوم المرور ما دام المضيق سيغلق من الخارج، ومن جهه أخرى سيفرض حصارا بحريا على الموانئ الإيرانية (كأنها فنزويلا) وبذلك يرغمها على أن تاتي صاغرة لتقبل شروطه، وبالإضافة لذلك فإن إغلاق المضيق سيقلل كميه النفط المعروضة، وهذا سيضغط على دول العالم لتختار أحد موقفين: إما أن ترسل قواتها للمشاركة في فتح المضيق، أو أن تشتري النفط الامريكي، حيث تمتلك أمريكا فائضا من إنتاجها يزيد عن إحتياجاتها، وبذلك يحقق دخلا جيدا لأمريكا.

تمتلك الأجهزة ومراكز البحث الأمريكي بعضا من أفضل العقول الاستراتيجية .. لا يمكن أن يكونوا قد شاركوا في هذه الخطة العبيطة، ليس لأنها ظهرت بعد ساعات من المحاولة الفاشلة لفتح المضيق، ولكن لأنها تنم عن أن واضعيها لا يفهمون طبيعة الفاعليات الإقتصادية على المستوى الدولي والتي تختلف تماماعما يجري في عالم البيزنس الذي يجيد ترامب التعامل معه، وهذا الاختلاف هو السبب في أن الإقتصاد الدولي علم مستقل.

يعتمد نجاح هذه الخطة على عاملين حاسمين: الأول هو سرعة إستسلام إيران قبل أن تستفحل حالة الركود العالمي (من المهم أن تراجع المقال السايق لتعرف أن مشاكل إستمرار غلق المضيق تتجاوز كثيرا إرتفاع أسعار النفط)، والثاني هو قدرة صناعة النفط الأمريكية على تعويض النقص في إمدادات النفط الخليجي بأسعار مناسبة.

لا شك أن إيران تمتلك قدرة على الصمود لبعض الوقت، فلديها مخزون إحتياطي، ولها حدود برية طويلة، وهي تجيد التحايل على قيود الحصار (هذا إذا لم تلجأ لفك الحصار بالقوة)، كما أنه من المستبعد ألا يعمل خصوم أمريكا - الصين وروسيا - على إطالة أمد هذا الصمود ليسقط ترامب قبل أن تسقط إيران، لن تستسلم إيران بالسرعة الكافية .. ومن جهة أخرى فإن إغلاق مضيق باب المندب (وهو إحتمال قائم) سيفاقم من حده الازمة، وإذا أذا أخذت في الإعتبار أن سعر برميل النفط قد زاد 70% خلال 4 أسابيع فإلى أي مستوى سيصل قبل أن تستسلم إيران؟ .. وماذا سيحدث للإقتصاد العالمي خلال هذه الفترة؟ .. وهل سيقف العالم (والشعب الأمريكي معه) مكتوف الأيدي وترامب يدمر إقتصاده؟ .. هذا ينقلنا للعامل الثاني: هل ستتمكن أمريكا من تعويض النقص في إمدادات النفط حتى تتجنب مخاطر الركود؟

البترول الأمريكي مسكن ضعيف المفعول قصير الأمد للأسباب التالية:

لا تستطيع صناعة النفط الأمريكي أن تزيد انتاجها في وقت قصير لأكثر من 4 مليون برميل يوميا، بينما العجز الناتج عن غلق المضيق هو 20 مليون برميل .. سيستمر السعر إذن في الارتفاع، ويقدر بعض الخبراء أنه سيصل إلى 150 دولار، وسيستمر تفاقم حالة الركود العالمي (راجع لالمقال السابق )

والنفط المستخرج من الصخر الزيتي الأمريكي هو من النوع "الخفيف"، بينما معظم المصافي الكبرى في آسيا (الصين والهند وكوريا) مصممة لمعالجة النفط "المتوسط والخفيف" القادم من الخليج، وتحويل هذه المصافي لاستقبال النفط الأمريكي يحتاج لسنوات ومليارات من الدولارات .. ستستمر هذه الدول في المنافسة على شراء النفط غير الامريكي الذي قلت إمداداته، فترتفع أسعاره.

النفط الصخري الأمريكي مرتفع التكلفة، ولن تزيد الشركات الأمريكية إنتاجها إلا عندما ترتفع الأسعار لمستوى يناسبها، كما أن الموانئ الأمريكية غير مجهزة لتصدير كميات كبيرة من النفط (حاليا أغلب الإنتاج الأمريكي يذهب للإستهلاك المحلي) المشكلة ليست فقط في عدم القدرة على زيادة الإنتاج بسرعة، بل أيضا في نقص البنية التحتية الأمريكية لتصدير النفط.

إذا حاولت أمريكا تعويض العجز من خلال إحتياطيها الإستراتيجي من النفط فإنها تجازف باستنزاف هذا الإحتياطي لتصبح مكشوفة في حاله إندلاع حرب كبرى .. السحب من المخزون الامريكي له حدوده ومخاطره الإستراتيجية.

تعال الآن لنشرح الفخ الذي يمكن أن تنصبه الصين لأمريكا، وهي لا شك تملك خبراء إستراتيجيين أفضل منا يمكنهم نصب هذا الفخ بكفاءة عالية.

بعد أسابيع قليلة من غلق المضيق سيصل سعر البرميل الى حوالي 150 دولار، وسيكون من مصلحه كل دول العالم، حلفاء امريكا وخصومها، أن تدفع لإيران دولار واحد للبرميل كي يعود السعر الى ما كان عليه قبل الحرب (حوالي 70 دولار)، حينها سيكون من السهل على الصين تشكيل "جبهة المستهلكين المتضررين من غلق المضيق" كغطاء للتحرك ضد أمريكا، يمكنها أن تجذب الإتحاد الاوروبي الذي يرى في تصرفات ترامب تفويضا للنظام العالمي ويريد وضع حد لغطرسته، واليابان وكوريا اللتين تجدان نفسيهما الآن محشورتين بين مطرقة التحالف مع أمريكا وسندان الإنهيار الإقتصادي، اما الهند فلديها حساسية شديدة من إرتفاع سعر النفط وستسارع يالإنضمام .. ستقول الصين للعالم: "نحن لا ندعوكم لدعم إيران، ولكن ندعوكم لدعم حق شعوبكم في الحصول على طاقة رخيصة، وترامب هو من يمنعكم من ذلك لأنه يريد أن يبيع لكم نفطه الغالي"، وبذلك يصبح الحصار "بلطجة" ضد مصلحة دولية جماعية وليس ضد "دولة مارقة".

سيجد ترامب نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: إما أن يتراجع، وهو ما سيعتبره العالم "هزيمة مذلة" لترامب وانتصاراً للصمود الإيراني وللدبلوماسية الصينية، وسيقضي على هيبة "التهديد الأمريكي"، أو أن يصطدم بالجميع، فيبدأ بفرض عقوبات على الهند واليابان وأوروبا، أو حتى اعتراض سفنهم بالقوة، وهذا سيؤدي إلى عزلة أمريكا ونشوء نظام عالمي جديد تقوده الصين فعلياً.

ترامب يراهن على الخوف من القوة الأمريكية وعدم الرغبة في إغضابها، بينما ستراهن الصين على "الحاجة" للنفط .. في المدى القصير قد يسيطر "الخوف"، ولكن في المدى المتوسط فإن "الجوع للطاقة" سيكسر الخوف .. والله غالب على أمره.

شارك المقال