منذ 3 اسابيع | 1218 مشاهدات
هو تنظيم شعبي بمعنى الكلمة، وليس على سبيل المجاز، وحداته القاعدية هي الخانقاوات والتكايا والزوايا الصوفية، وكلها أسماء لمسمى واحد تقريبا، والإختلاف بينها يتعلق بالجهة التي أسستها دون يكون لذلك تأثير يذكر على وظيفتها وأسلوب عملها، تستقل كل منها بإدارتها ومواردها المالية، وترتبط بمجتمعها المحلي بروابط متينة، كما ترتبط ببعضها من خلال التراتبية الهرمية التي تحكم نظام الطرق الصوفية .. كانت هذه المراكز بمثابة شبكة للأمان الديني والإجتماعي التي تمتد من حدود الصين حتى أطراف البلقان والمغرب العربي، وضمنت إنتقال الأفراد والأفكار عبر العالم الإسلامي .. وفي مصر إرتبطت هذه المراكز بطوائف الحرفيين برابطة عضوية سنشرحها بالتفصيل لاحقا، هذه الروابط جعلت تجمعات الحرفيين جزءا لا يتجزأ من التنظيم الذي توجهه النخبة المثقفة من علماء الأزهر ومشايخ الطرق الصوفية.
بدأ تيار التصوف في الإنتشار منذ القرن 3ه كعلاقة شخصية بين الشيوخ والمريدين، إلى أن بدأت محاولات تنظيم وإدارة تجمعات المريدين في القرن 5ه، فظهرت "الخانقاه" في بلاد فارس، وهي كلمة فارسية تعني بيت للعبادة والإقامة، ثم إنتقلت الفكرة بعدها لباقي أقاليم العالم الإسلامي.
أدخل صلاح الدين الأيوبي نظام الخانقاوات في مصر لتحقيق أهداف عقائدية وسياسية وأحيانا عسكرية، فقد كان يريد إنشاء مراكز دينية لإستقطاب الصوفية وطلاب العلم الشرعي لتعمل على ترسيخ المذهب السني في مواجهة الإرث الشيعي الإسماعيلي الفاطمي في مصر، وبعض هذه المراكز التي أقيمت في الثغور (كالإسكندرية ودمياط) كانت نقاط للحراسة (رباط في سبيل الله) بالإضافة لوظيفتها الأصلية، وفيها ظهرت البذور الأولى للترتيبات القتالية التي مكنت هذا التنظيم من القيام بدوره التاريخي في مقاومة الحملة الفرنسية على مصر.
أطلق ملوك الأيوبيين وسلاطين المماليك إسم "خانقاه" على المراكز التي أقاموها، أما العثمانيون فقد سموها "تكية"، بينما أطلق الأهالي إسم "الزاوية" على المراكز التي مولوا إنشاءها، وبغض النظر عن المؤسس الذي يقوم بإنشاء المقر ووقف بعض الأراضي الزراعية والعقارات التي يخصص ريعها للإنفاق على أنشطة المركز ويحدد في حجة الوقف الشروط التي ينبغي الإلتزام بها، فإن هذه المراكز كانت تمتع بالإستقلالية الكاملة تحت إدارة الشيخ .. سنستخدم في هذا المقال إسم "الزاوية"، لكن كل ما سنذكره يصدق عليها جميعا.
بفضل الأوقاف الضخمة التي حبسها المؤسسون أصبحت الزوايا تمتلك مخازن غلال ومطاحن وأفران خاصة بها، مما جعلها قادرة على تقديم العديد من الخدمات المجانية بالإضافة إلى دورها كمراكز للعبادة وأنشطة المتصوفة وإقامة الإحتفالات الدينية، فقد وفرت الغذاء والكساء والسكن والتعليم والعلاج مجانا لكل من يحتاج إليه، كما كانت مأوى لعابري السبيل والغرباء وطلاب العلم، وملاذا للشعب في أوقات الأزمات .. لقد كان هذا التنظيم هو "المجتمع المدني"، حيث كانت الزاوية هي النادي والنقابة والمطعم والمدرسة والمسجد في آن واحد، مما جعل الشيخ قائدا سياسيا بإمتياز، لا يملك فقط الفتوى، بل يملك أيضا تحريك الشارع.
فشيخ الزاوية لم يكن مجرد مرشد روحي، بل كان هو المدير التنفيذي والمسئول الأول عن نشاط الزاوية أمام السلطة وأمام القيادة، وكان تعيينه يخضع لمزيج من شروط الواقف والتراتبية الهرمية للطريقة الصوفية التي تتبعها الزاوية ثم إعتماد السلطات، فغالبا ما كان المؤسس ينص في حجة الوقف على أن تكون مشيخة الزاوية (والنظارة على وقفها) في ذرية شيخ معين، أو يحدد المواصفات العلمية والسلوكية التي ينبغي توافرها فيه، فإذا شغر المنصب كان كبار المنتسبين للزاوية أو أبناء الطريقة الصوفية المشرفة عليها يجتمعون لإختيار من يرونه الأنسب للمنصب في ضوء الشروط التي ضمنها الواقف حجته، على أساس الوراثة أو الفضل العلمي والسلوكي، ثم يرفع الترشيح للسلطان أو نائبه لإعتماده، ويذلك يتم إضفاء الصبغة الرسمية على الشيخ الجديد مما يمنحه الحق القانوني في إدارة المكان وتسلم عوائد الوقف وإنفاقها على أنشطة الزاوية.
لم تكن يد الشيخ طليقة في التصرف في أموال الوقف، فقد كان يعد "أمين" أو "ناظر" ملتزم بتنفيذ إرادة الواقف ويخضع للمساءلة القضائية، فالمنتسبين للزاوية، إذا رأوا أن الشيخ قد أخل بشروط الواقف أو قام بتبديد الأموال، كان لهم الحق في رفع الدعوى، ويملك القاضي سلطة عزل الشيخ وتعيين من يحل محله إذا ثبت فساده، ولاحقا في العصر العثماني ظهر منصب "دفتردار الأوقاف"، وكانت وظيفة هؤلاء هي مراجعة دفاتر التكايا والخوانق الكبرى بشكل دوري للتأكد من أن الإيرادات تصرف في أوجهها الصحيحية.
كان الأزهر هو العقل المدبر والمنظر الشرعي والسياسي لهذا التنظيم، بينما الزوايا المنتشرة في حارات القاهرة ومدن وأقاليم مصر هي جهازه التنفيذي، فالعالم الأزهري قد لا يستطيع الوصول لكل فرد في المجتمع، لكن شيخ الزاوية، الذي هو غالبا تلميذ أو مريد لأحد كبار العلماء، يعيش حياته اليومية مع الناس، فعندما كان علماء الأزهر يقررون الإضراب العام أو التظاهر إحتجاجا على مظالم السلطة كانت الزوايا هي التي تبث هذه القرارات في العروق الشعبية وتحولها إلى حراك على الأرض .. كان العلماء يدركون أنهم بدون مساندة الجماهير يصيرون مجرد مدرسين في الأروقة، والجماهير تدرك أنها بدون توجيه وقيادة العلماء ليسو إلا شراذم مبعثرة لاحول لها ولا قوة.
كان هناك عقدا إجتماعيا غير مكتوب: تقدم الجماهير للعلماء القاعدة الشعبية والقوة الضاربة في الشارع في مواجهة السلطة، والعلماء يقدمون للجماهير الغطاء السياسي والتحدث بإسمهم والدفاع عن مطالبهم، بالإضافة إلى شبكة الضمان الإجتماعي التي توفرها الزوايا، وعندما يمتلك العالم القدرة على إطعام الجماهير وقت المجاعة وتنظيمهم لمواجهة السلطة فإن ولاء الجماهير ينتقل تلقائيا من جابي الضرائب المملوكي إلى القائد الروحي ومدير جهاز الضمان الإجتاعي .. العالم الذي يتخلى عن قضايا الجماهير يتحول إلى مثقف أكاديمي معزول ويفقد مكانته وتأثيره في المجال العام.
هذا التنظيم الشعبي هو الذي أعطى للأزهر مركزه المرموق في مصر العثمانية وتأثيره الواسع في كل العالم الإسلامي، إلى أن تولى محمد علي مهمة تفكيكه والقضاء على المجتمع المدني المصري وحرمانه من قيادته العضوية وإجهاض القوة التي كانت قادرة على تحديث مصر تحديثا حقيقيا .. ينقلنا هذا إلى الطوائف الحرفية وكيف كان تفكيك التنظيم الشعبي هو المقدمة لحرمان مصر من دخول عصر الصناعة، ولله الأمر من قبل ومن بعد.