منذ 1 شهور | 2787 مشاهدات
هل سيكون لنتائج الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية تأثير على إحتمالات التقارب السني الشيعي؟ ستتغير بالتأكيد علاقة الأنظمة الخليجية بالنظام الإيراني، لكن الأنظمة ليست هي ما يشغلنا، فعلاقاتها تقوم على أساس المصالح المؤقتة وتحكمها مواقف ظرفية متغيرة وليست بالضرورة مبدأية، ما ينبغي أن يشغلنا هو علاقات الشعوب ونظرة كل منها لثقافة الآخر وقيمه وأعرافه وحجم الثقة (أو عدم الثقة) التي يمكن أن تسود التعاملات بين الناس العاديين في حياتهم اليومية، فهذا هو الذي سيحدد ما إذا كنا سنتمكن من مواجهة العالم كأمة واحدة أم لا .. هذا هو ما يصنع التاريخ.
لاحظ أننا في هذه السلسلة نتكلم عن وجود إحتمالات، أي أننا نرى أن بعض سيناريوهات المستقبل يمكنها أن تؤدي للتقارب إذا تحققت ظروف معينة، ونحاول أن نفهم هذه الظروف لنعرف ما الذي يساعد على إيجادها، ولا شك أن نتائج الحرب قد غيرت بعض هذه الإحتمالات، فغالبا سيزداد حكم الملالي تشددا، ويقل تقبله للتغيير من الداخل (أي أن تقوم القيادة بتغيير توجهاتها، وإن كان هذا سيظل إحتمالا قلئما)، وفي نفس الوقت ستصل معظم الأنظمة السنية، الخليجية منها بالذات، إن لم تكن قد وصلت بالفعل، ولأسباب سنعرض لها بالتفصيل في ما بعد، إلى ضرورة تعديل موقفها الفكري (وليس فقط خطها الإعلامي) من التشيع، بهدف دمج الأقليات الشيعية في مجتمعاتها السنية بدلا من موقفها الحالي الذي يرسخ حالة الشعور بالغربة لدى هذه الأقليات، وإذا نجحت في تطوير خطاب ذكي ومناسب فسيكون له بالتأكيد تداعياته على مواطنيها وعلى الداخل الإيراني (أرجو ألا تسارع بالتقليل من قيمة هذا الإحتمال والدوافع التي ستدفع إليهقبل أن نستكمل عرض الفكرة).
النظرة المتعجلة قد تدفعك للذهاب إلى أن التقارب قد صار أبعد منالا، لأن الجناح العقائدي المتشدد في نظام الملالي سيرى أن الإستراتيجية الصارمة القائمة على التصلب الفكري وإحتكار السلطة هي التي حمت البلاد وقادت إلى هذا الإنتصار، فليس ثمة إذن ما يدعو لتقديم أية تنازلات للأجنحة الأخرى، الإصلاحية والليبرالية (رئيس الجمهورية الحالي الذي يتم تهميشه محسوب على الجناح الإصلاحي)، وسيرى السيد مجتبى خامنئي أن شرعية سلطته تعتمد على تأييد المؤسسات السيادية الدينية وعلى الولاء المطلق للحرس الثوري بمؤسسته العسكرية ومنظومته الإقتصادية الضخمة التي حققت الصمود خلال الحصار، وهذه القوى تميل بطبيعتها للحفاظ على الوضع القائم وتستمد مبرر وجودها من نظرية ولاية الفقية وسلطاته المطلقة .. ستستخدم هذه القوى الإنتصار لمزيد من التعبئة الأيديولوجية وستعمل على تبرير الصعوبات الإقتصادية والكبت السياسي الذي مارسته بأنها ثمن مقبول للإستقلال، وأن صبر الشعب لم يذهب سدى، فها هو الإنتصار سيترجم بإذن الله إلى رخاء دون التفريط في العزة الوطنية، فقد إنتهى الحظر على تصدير البترول، وستعود الأرصدة المجمدة، وسنحصل على مقابل عبور مضيق هرمز (تحت أي إسم) وسيعمل الأمريكان على ضخ 300 مليار دولار للمساهمة في جهود إعادة الإعمار .. وبالإضافة لذلك فإن إنتصار الملالي سيشجعهم على الإستمرار في محاولات الهيمنة على الإقليم، والتي يعد ولاء الأقليات الشيعية واحد من أهم أدواتها، وتعميق التمايز السني الشيعي هو ما يضمن ولاء الشيعي العربي للولي الفقيه الفارسي، بالذات بعد أن يسترد الولي الفقية إمكانياته المالية ويزيد من دعمه المادي للأقليات، وبعد أن زاد القبول العام لنظام الملالي بسبب إعجاب الشعوب بالصمود الإيراني ورهبة الأنظمة من مواجهته بعد أن إكتشفت هشاشة الحماية الأمريكية، وهذا كله سيدفع إلى زيادة الهوة التي تفصل الفرقتين عن بعضهما.
هذه النظرة المتعجلة تغفل الجانب الآخر، وهو أن إنتهاء الحصار سيرفع من سقف تطلعات الشعب الإيراني لمزيد من الحريات الفكرية والسياسية والإقتصادية (حتى بين المؤمنين بولاية الفقيه المؤيدين لحكم الملالي) بعد أن تحمل عقودا من قمع الحريات وإنخفاض مستوى المعيشة، بالإضافة إلى أن إعادة الإعمار بعد الدمار الهائل الذي حل بالبنية التحتية الإيرانية، التي كانت من الأصل متهالكة، سيتطلب بيئة مناسبة لدخول تدفقات مالية ضخمة وإستثمارات خارجية كبيرة، وهذا كله يتطلب إنفراجا داخليا يحقق قدرا معقولا من الإستقرار الضروري للإنفتاح الإقتصادي، مع تصفير المشاكل مع الجيران الإقليميين الذين سيكونون من أهم مصادر التمويل الخارجي بالإضافة لدورهم كشركاء تجاريين مهمين، وهؤلاء الجيران يشعرون بالإنزعاج من تغلغل التأثير الإيراني بين مواطنيهم الشيعة.
من المستبعد جدا أن يرغب السيد مجتبى خامنئي في القيام بأية إصلاحات سياسية حقيقية، لأنها ستمثل تهديدا بنيويا لنظام ولاية الفقيه الذي تؤيده وتدافع عنه القوى التي يعتمد عليها المرشد (الحرس الثوري ومؤسسات الملالي) .. سيلجأ على الأرجح لإستيحاء النموذج الصيني: إنفتاح إقتصادي محسوب، وتحسين الكفاءة الإدارية وأدوات مكافحة الفساد، وتخفيف بعض القيود الإجتماعية لإمتصاص إحتقان اشباب، مع الإحتفاظ بقبضة سياسية صارمة .. ربما هذا هو ما سيسعى إليه، لكن ما هي الوسائل التي يمكنه إستخدامها دون أن يقع في تناقضات تؤدي لخروج الأمور عن السيطرة؟ لقد نجح النموذج الصيني في ظرف تاريخي، سياسي وإجتماعي، مختلف تماما، وإعادة إنتاجه في إيران هو معضلة حقيقية (لا يملك الحرس الثوري الإيراني وأيولوجيته العسكرية الشيعية ذات المقومات التي يملكها الحزب الشيوعي الصيني بأيولوجيته الماركسية وفكره السياسي الإجتماعي، وأمريكا لن تمنح لإيران الفرصة التي منحتها للصين).
وغالبا سيسعى النظام الإيراني لتطوير خطاب يبدو في ظاهره أقل طائفية ليساعد النظم الخليجية على تبرير المساعدات الإقتصادية التي هي مضطرة، بسبب الضغط الأمريكي، لتقديمها لإيران، لكنه سيستمر في سعيه لضمان ولاء الأقليات الشيعية، وإن بطريقة أقل وضوحا وفجاجة .. هذه النقطة الأخيرة هي التي ستحتم على النظم الخليجية، والعالم السني، أن يلجأ إلى تطوير خطاب أيديولوجي مختلف عن هذا الذي كانت تعتمده في الحقبة الماضية لتحقيق قدر أعلى من التعايش والإندماج المجتمعي، فهي لن تستطيع قمع الأقليات الشيعية بنفس الطريقة، في الوقت الذي سيزيد ميل هذه الأقليات لإتباع الولي الفقيه .. ليست هذه مهمة سهلة، لكنها ضرورية .. هذا هو موضوع المقالات التالية.