24- هرمز في القانون الدولي .. هل تمارس إيران البلطجة؟

منذ 4 اسابيع | 976 مشاهدات

بعض الناس، خاصة الخليجيين، غاضبون جدا من إيران لأنها تريد بسط سلطتها على مضيق هرمز، وقال أحد الإعلاميين المصريين المعارضين للإنقلاب من تركيا أن إيران تمارس البلطجة وتنتهك القانون الدولي الذي ينص على حرية الملاحة في الممرات المائية الطبيعية، ومع أن أغلب ضيوف "الجزيرة" يدندنون تنويعات على نفس اللحن فإن وقع الكلام من إعلامي مصري مستقل له مذاق مختلف عن هؤلاء المتأثرين بالمواقف الرسمية لحكوماتهم، من المهم قبل أن نحاول فهم موقف إيران أن نسأل أولا: ما هو هذا القانون الدولي الذي تخالفه إيران؟ وهل لها أي عذر في هذه المخالفة؟

القانون الدولي هو مجموعة القواعد والأسس التي تنظم العلاقات بين الدول ذات السيادة وتحدد حقوقها وواجباتها تجاه بعضها البعض، وكانت بدايته الحقيقية سنة 1628 في صلح وستفاليا الذي أنهى حرب الثلاثين عاما في اوروبا، واليوم يتشكل ما يسمى "القانون الدولي" من خلال المعاهدات والإتفاقات التي توقع عليها كل الدول وتعلن الإلتزام بها (كإتفاقات جنيف وميثاق الأمم المتحدة) والممارسات المستقرة التي إتبعتها الدول لفترات طويلة مع شعور بإلزاميتها القانونية بالإضافة إلى بعض المبادئ القانونية العامة التي تعترف بها الأنظمة القانونية الوطنية الكبرى.

لا قيمة لأي منظومة قانونية ما لم توجد الآليات والأجهزة التي تقوم على إنفاذها، وداخل كل دولة توجد الأجهزة التي تملك حق إستخدام القوة المشروعة (الشرطة) لتحديد المتهمين وتقديمهم للمحاكمة ثم تنفذ العقوبات التي يحكم بها القضاء، وبغير ذلك لا يوجد ما يضمن إنصياع الأطراف المختلفة للقانون، فما هي آليات تنفيذ القانون الدولي؟

يملك مجلس الأمن سلطة فرض عقوبات إقتصادية ودبلوماسية على الدول التي تخرق القانون الدولي، كما يملك تفويض قوات دولية بإستخدام القوة المسلحة لحماية الأمن والسلم الدوليين، ومحكمة العدل الدولية هي الذراع القضائي للأمم المتحدة للفصل في المنازعات الدولية، لكن هذه المحكمة لا تملك النظر إلا في المنازعات التي يقبل أطرافها بالولاية القضائية لهذه المحكمة، ثم أنها لا تملك أية آلية لتنفيذ أحكامها، فهي ترفعها لمجلس الأمن ليقوم بإتخاذ القرارات التي يراها مناسبة، فكما ترى يتوقف إنفاذ بنود القانون الدولي على قرارات مجلس الأمن الذي تملك أي دولة من الدول الخمس صاحبة حق النقض (الفيتو) منعه من إتخاذ القرارات المطلوبة.

هذا الوضع أدى بمعظم فقهاء القانون الدولي للإقرار بأن هذه المنظومة القانونية لا تعمل على تحقيق العدالة وإنصاف الضعفاء بقدر ما تعمل على الحد من تصاعد النزاعات بين الدول الكبرى حتى لا تصل إلى نشوب الحروب بينها، والقانون يفقد فاعليته عندما تتعارض بنوده مع مصالح الدول صاحبة حق الفيتو.

لذلك يبدو من السذاجة أن نطالب إيران بالإلتزام بالقانون الدولي في مواجهة دولة تملك حق الفيتو بعد أن إنتهكت هذا القانون نفسه وكبدتها خسائر جسيمة في الأرواح ودمرت جزءا كبيرا من قواتها المسلحة وبنيتها التحتية المدنية ومنشآتها الصناعية وإغتالت قاداتها .. إلخ دون أن يحاول أحد إستخدام القانون الدولي لحمايتها وتعويضها .. سنحتاج لمقالات مطولة لسرد الأضرار التي لحقت بإيران وبكل دول المنطقة بسبب إنتهاكات أمريكا وإسرائيل للقانون الدولي دون أن يتدخل العالم لوقف العدوان وتعويض المعتدى عليه ورد حقوقه الضائعة.

إذا كنا سنقبل، والحال كذلك، إعفاء إيران، أو أي دولة تتعرض للعدوان، من الإلتزام بالقانون الدولي إذا لم تجد بدا من ذلك لحماية نفسها والحصول على ما يعوضها عن الأضرار التي حاقت بها، فلن نقبل إعفاءها من الإلتزام بالقانون الأخلاقي، وهي تزعم أنها في ما تقوم به تحتمي بالقاعدة الأخلاقية ".. فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ" البقرة: 194 .. دعنا إذن نناقش هذا الزعم دون الإلتفات لحكاية أنها تخالف القانون الدولي، فلولا أنها فعلت ذلك لكانت أمريكا قد سحقتها تماما، فهي تحتاج للسيطرة على المضيق فعلا للدفاع عن نفسها، ولنسأل: هل قامت إيران في معرض دفاعها عن نفسها بإيقاع الضرر بأطراف أخرى لا ذنب لها؟

تشرح إيران كيف أن وضع المضيق تحت سيطرتها هو سبيلها الوحيد لحماية نفسها من العدوان وللحصول على تعويض عن خسائرها دون أن تسبب ضررا إلا لهؤلاء الذين يتحملون المسئولية عما أصابها، ويمكننا إيجاز وجهة النظر الإيرانية في النقاط التالية:

  • تريد إيران منع دخول الإمدادات إلى القواعد العسكرية الأمريكية وسفنها الحربية الموجودة في الخليج، فهذه القواعد والسفن هي التي تنطلق منها الطائرات والصواريخ، كما تحتوي على أجهزة الرقابة والتشويش التي تحد من فاعلية الصواريخ الإيرانية التي تطلقها على الأهداف العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، فمنع هذه الإمدادات هو ضرورة حيوية لحماية الأرواح والممتلكات، بل لحماية الإستقلال الوطني.
  • أثبتت مجريات المواجهة أنه لولا التهديد الإقتصادي الذي شعرت به دول العالم نتيجة نقص إمدادات البترول (راجع: "كيف ستنتصر إيران") لما مارست أي ضغط على أمريكا لوقف العدوان، بل أن بعضها شارك في المجهود الحربي رغم هذا التهديد، ولذلك تصر إيران على السيطرة على المضيق كي تذكر العالم بأهمية القيام بواجبه في الضغط لوقف العدوان وإنفاذ القانون الدولي.
  • إن ما تريد إيران أن تتقاضاه من رسوم عبور (تحت أي مسمى) ليس من نوع الإتاوات التي يفرضها البلطجية، بل هو التعويض الذي يجب على العالم أن يتحمله لأنه تواطأ مع أمريكا بالصمت وتركها تعربد في كل مكان دون أن يلزمها بوقف العدوان وتعويض المتضرر عما يصيبه من ضرر، وما دامت قد تساهلت مع أمريكا عندما خالفت القانون الدولي فليس من حقها مطالبة إيران بالإلتزام به، أما الدول الصديقة فتتساهل معها إيران .. الفكرة هي أن العالم كله مسئول عما لحق بإيران من دمار، ومن العدل أن يساهم في تحمل تكلفة إعادة الإعمار.
  • أما دول الخليج بالذات فهي لم تكتف بمنح أمريكا قواعد عسكرية على أراضيها، بل مولت تكلفة إنشاء هذه القواعد، ومن العدل أن تتحمل عواقب ما قامت به.

من حيث المبدأ فإن القانون الأخلاقي يقر حق المعتدى عليه في الدفاع عن نفسه والمطالبة بالتعويض عن الضرر الذي لحق به، ويبقى السؤال: هل تمادت إيران في إجراءات الدفاع عن نفسها وفي تقدير قيمة التعويض الذي من حقها المطالبة به وفي تحديد مسئولية الأطراف المختلفة؟ .. أترك للقارئ القيام بهذه الموازنة، لكن على الأقل علينا الإقرار بوجود حق ما لإيران وإن كنا لا نستطيع تقدير حجمه ولا تحديد المسئولين عنه ومدى مسئوليتهم، ولله يرجع الأمر كله.

 

ملحوظة قبل النشر: أعلن اليوم الرئيس ترامب أنه سيستولي على المضيق بالقوة ويتقاضى 20% للعبور، ترى كيف سيعلق إخواننا في الخليج؟ .. هل سيقولون أن أمريكا أصبحت هي أيضا بلطجية؟ .. أم أن تقاضي إيران للرسوم يعد بلطجة لكنه من أمريكا عادي جدا؟ .. أم  سيعلنون أن هذه المادة في القانون قد تم تعديلها أمس مساء؟  

شارك المقال