14- الإنتكاسة الخومينية .. حكومة الملالي والعودة للحق الإلهي

منذ 4 ايام | 773 مشاهدات

لم تكن أفكار الخوميني التي تأسست عليها الجمهورية الإسلامية تراجعا عما وصل إليه المد الإسلامي الديموقراطي في الخمسينات بقيادة آية الله كاشاني والدكتور محمد مصدق وحسب، بل كانت أيضا عقبة في سبيل جهود التقريب بين السنة والشيعة برغم مزاعم قيادات الملالي عن رغبتهم في إستمرار هذا التقارب، سنخصص هذا المقال لعرض أفكار الخوميني كمقدمة لبيان ما نراه من إحتمالات العودة إلى الأوضاع التي شجعت جهود التقارب.

يمكننا أن نميز ثلاثة خطوط في فكر الخوميني، نعجب بالأول، ونؤيد الثاني (ونستغربه منه)، ونستنكر الثالث، فهو أولا الوطني الرافض للإستعمار والهيمنة الغربية والإستبداد المحلي، وهو ثانيا المطالب بإستعادة حكم الإسلام لكل جوانب الحياة، لكنه أيضا الفقية الإمامي الإثنى عشري الذي يؤمن بالحكومة الإلهية المعصومة وينتظر خروج المهدي.

لا داعي لإستعراض أفكاره كوطني يناهض الغزوة الغربية ويندد بالإستبداد المحلي ويقدم تحليلات ثاقبة وملاحظات ذكية عميقة، فهي نفس ما تجده عند دعاة التحرر الوطني من كل الإتجاهات.

وعندما تقرأ كلامه عن حتمية حكم الإسلام لكل جوانب الحياة والمنطق الذي يشرح به هذا الهدف لا تجد فرقا كبيرا بينه وبين رواد حركة الإحياء الإسلامي في العالم السني، أمثال الإقغاني ومحمد عبده والكواكبي وحسن البنا وسيد قطب وعلال الفاسي وعبد الحميد بن باديس ومالك بن نبي ومحمد الغزالي وعادل حسين وغيرهم، بإستثناء النكهة الشيعية التي تفوح من كلامه، وهاك بعض الإقتباسات:

"إن ضرورة تنفيذ الأحكام لم تكن خاصة بعصر النبي (ص)، بل الضرورة مستمرة .. فقد ثبت بضرورة الشرع والعقل أن ما كان ضروريا أيام الرسول (ص) وفي عهد أمير المؤمنين (ع) من وجود الحكومة لا يزال ضروريا إلى يومنا هذا"

"أما في زمان الغيبة فالحكومة والولاية، وإن لم تجعل لشخص بعينه، لكن يجب بحسب العقل والنقل أن تبقيا بنحو آخر لما تقدم من عدم إمكان إهمال ذلك لأنها مما يحتاج إليه المجتمع الإسلامي .. والعلة متحققة في زمن الغيبة"

"قد مر على الغيبة الكبرى لإمامنا المهدي أكثر من ألف عام، وقد تمر عليه ألوف من السنين قبل أن تقضي المصلحة قدوم الإمام المنتظر، وفي طول هذه المدة هل تبقى أحكام الإسلام معطلة يعمل خلالها الناس ما يشاءون؟ .. إن الذهاب إلى هذا الرأي أسوأ في نظري من الإعتقاد بأن الإسلام منسوخ .. إذن فكل من يتظاهر بالرأي القائل بعدم ضرورة تشكيل الحكومة الإسلامية فهو ينكر ضرورة تنفيذ الإسلام، ويدعو إلى تعطيل أحكامه وتجميدها، وهو بالتالي ينكر شمول الإسلام وخلود الدين الحنيف"

كمسلم سني لن تجد غرابة في هذا الكلام، فرض الله على المؤمنين تنفيذ شرائعه، ولما كان هذا لا يتم إلا بوجود حكومة فإن إقامتها يكون فرضا يأثم المسلمون بتركه .. لكن أن يأتي هذا الكلام من فقيه إمامي إثني عشري مازال يصر على أن تعيين الحاكم هو شأن إلهي، وأن الله قد عين الأئمة منذ الأزل وعلمهم كل شيء وعصمهم من كل خطأ وأعطاهم سلطة على كل ما في الوجود، وغيرها من الأسس التي قامت عليها الإثنا عشرية، يسردها الخوميني في كتبه ويؤكد عليها، فلابد أن نستغرب مطالبته للأمة بإقامة الحكومة .. لا تستغرب، فهو في الواقع لا يطالب الأمة بإقامة الحكومة، بل يطالبها بطاعة الفقهاء الذين إنتقلت إليهم سلطات الإئمة الإلهية ومهامهم ليصيروا هم الحكومة .. إن كلام الخوميني عن الولي الفقيه وعموم سلطته سيذكرك على الفور بإدعاءات بابوات الكنيسة الكاثوليكية في العصور المظلمة .. مرة أخرى نعود للإقتباسات:

"الفقهاء العدول وحدهم هم المؤهلون لتنفيذ أحكام الإسلام [التنفيذ وليس مجرد الإستنباط – ع] وإقرار نظمه وإقامة حدود الله وحراسة ثغور المسلمين، وقد فوض إليهم الأنبياء جميع ما فوض إليهم وإئتمنوهم على ما إئتمونوا عليه"

".. فالفقهاء اليوم هم الحجة على الناس كما كان الرسول (ص) حجة الله عليهم .. وكل من يتخلف عن طاعتهم فإن الله يؤاخذه ويحاسبه على ذلك"

".. فالقيم على الشعب بأسره لا تختلف مهمته عن القيم على الصغار إلا من ناحية الكمية"

".. علينا أن نستفيد من ذوي الإختصاص العلمي والفني فيما يتعلق بالأعمال الإدارية والإحصائية والتنظيمية، أما ما يتعلق بالإدارة العليا للدولة، وبشئون بسط العدالة والقضاء والحكم بين الناس بالعدل فذلك ما يختص به الفقيه .. إن تولي الفقيه لأمر الناس هو إنصياع لأمر الله وأداء للوظيفة الشرعية الواجبة"

لم تكن هذه مجرد أفكار نظرية عرضها في كتبه، ففي عام 1988، عشرة أعوام بعد توليه منصب المرشد الأعلى، ثار خلاف بينه وبين رئيس الجمهورية المنتخب عندما أعلن السلطة لا يجوز أن تخالف الأحكام الشرعية، فأرسل الخوميني إليه رسالة مفتوحة نشرتها الصحف ليذكره بسلطات الولي الفقيه الذي هو الحاكم الحقيقي، ويضيف إلى أفكاره السابقة أن هذا الحاكم المفوض من الله لا تقيده أي إتفاقات يكون قد عقدها مع الأمة، لا دستور ولا قوانين ولا إجتهادات المجتهدين السابقين أو المعاصرين، لا شيء إلا المصلحة كما يقدرها هو والشريعة كما يفهمها هو "إن الحكومة، التي تعني الولاية المخولة من قبل الله تعالى إلى النبي الأكرم (ص) [الحكومة هي الولي الفقيه وليست السلطة التنفيذية -ع] مقدمة على جميع الأحكام الفرعية .. ولو كانت صلاحيات الحكومة محصورة في إطار الأحكام الفرعية لوجب أن تلغى أطروحة الحكومة الإلهية والولاية المطلقة المفوضة إلى نبي الإسلام (ص) .. لابد أن أوضح أن الحكومة شعبة من ولاية رسول الله المطلقة وواحدة من الأحكام الأولية  للإسلام ومقدمة على جميع الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج .. إن بإستطاعة الحاكم أن يعطل المساجد عند الضرورة .. وتستطيع الحكومة أن تلغي من طرف واحد الإتفاقات الشرعية التي عقدتها مع الشعب إذا رأتها مخالفة لصالح البلد والإسلام .."

يا للهول .. للفقيه كل ما للنبي (ص) والأئمة المعصومين، بإستثناء أمرين: أن للإمام مقام عند الله لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وأن ولاية الإمام تكوينية، يخضع له كل أحد وكل شيء .. الولي الفقيه لا يحق للأمة أن تنتقده أو تعارضه أو تعصي أوامره أو تخلع طاعته، وبالطبع لا يمكنها تحديد صلاحياته ولا مدة ولايته ولا إلزامه بدستور أو قانون أو أحكام فقهية، ولاحظ أن سلطة هذه الحكومة لا تقتصر على من يؤمنون بها (كما هو حال سلطة بابا الكاثوليك اليوم) بل تشمل فعليا، بإستخدام أدوات الإكراه التي تملكها الدولة، كل سكان إيران، وتمتد عقائديا لتشمل كل من يؤمن برسالة محمد (ص)، فلا معنى إذن لمحاولات التقريب بين المذاهب والإلتقاء في منتصف الطريق في المسائل العملية وترك الحكم على العقائد لعلام الغيوب وغيرها من المسائل التي كان يناقشها العلماء الذين إنخرطوا في الخمسينات في جهود التقريب بين السنة والشيعة، فالولي الفقيه لا يرضى بأقل من الطاعة التامة لصاحب التفويض الإلهي.

لقد تعرض هذا الفكر الخطير للنقد من جانب الفقهاء الملتزمين بأصول المذهب، ومن جانب نشطاء الشيعة السياسيين من أنصار الديموقراطية الإسلامية، سنعرض في مقالات قادمة بإذن الله لهذا النقد، وللعوامل التي قد تسمح بتعديل النظام الشيعي للجمهورية الإسلامية من داخله لإنقاذه من الإنهيار.

 

شارك المقال