منذ 1 اسابيع | 1470 مشاهدات
تعرض المدير الفني لمنتخب مصر لهجوم شديد لأنه رفع علم فلسطين بعد إنتهاء إحدى المباريات، وطبيعي أن يهاجمه صهاينة اليهود والمسيحيين والمسلمين، لكن ما أثار قلقي هو بعض اللجان المصرية التي إستغلت هذه الواقعة للطعن في وطنية الرجل، وسبب القلق هو أن هذا يعني أن الذين يوجهون هذه اللجان يفترضون أن ما يقولونه قد ينطلي على بعض المصريين .. هذا ما يدفعتي لتفنيد هذه السخافات التي أطلقوها، والتي تعبر عن جهلهم الشديد، ولن أتمادى فأصفها بالخيانة، فالجهل عندنا عذر.
قالوا أن حسام حسن كان ينبغي أن يرفع علم مصر، ثم يبدو أنهم إنتبهوا إلى أن في المسابقة 47 مدربا آخرين لم يرفع أحدهم علم بلده، فعدلوا قولهم إلى أن المدرب رفع علم دولة أخرى، وإعتبروه عملا مشينا يطعن في وطنية الرجل، ثم أنه خلط للرياضة بالسياسة .. هذا سخف لا يستحق الرد عليه لولا خشيتنا من أن يتأثر به البعض.
فلسطين ليست قضية سياسية، بل هي مأساة إنسانية حركت مشاعر كل شعوب العالم، والرجل لم يرفع العلم خلال المباراة ليقال أنه خلط الرياضة بالسياسة، بل رفعه بعدها، وهو يعبر هنا عن موقف شخصي، والكثير من الفنانين والمثقفين والرياضيين إستغلوا مناسبات أخرى لإعلان تعاطفهم مع الشعب الفلسطيني، فكيف يسمح مواطن مصري لنفسه بالإعتراض على حسام حسن؟
أما حكاية أن فلسطين دولة أخرى فلا أظن أن غير ضحايا الغزوة الفكرية الغربية يمكن أن يقبلونها، ولن أحدثك عن أن فلسطين كانت جزءا من الإمبراطورية المصرية القديمة منذ بدأت غزوات تحتمس الأول في النصف الأول من الألفية الثانية فيل الميلاد، ولنبدأ من القرن الأول الميلادي عندما كان كل من مصر وفلسطين جزءا من دولة واحدة هي الدولة الرومانية، ثم ضمتهما معا الدولة الإسلامية في خلافة عمر بن الخطاب (رض)، ولم تكن هذه مجرد وحدة سياسية، فقد ظلت وحدة الأمة الإسلامية حقيقة في وجدان أبنائها عبر القرون، وما زلنا نذكر أن الجماهير التي حاربت الجيش الفرنسي الذي جاء إلينا بقيادة نابليون في مطلع القرن 19 ضمت أعدادا كبيرة من المغاربة، ومن البدو الحجازيين الذين عبروا البحر الأحمر لينضموا إلى الصعايدة في مواجهة الفرنسيين، وكنا نحتفي إلى وقت قريب بسليمان الحلبي الذي جاء من الشام ليقتل الجنرال كليبر خليفة نابليون في قيادة الحملة، ولم يشعر أحد، لانحن ولا هم، أنهم مقاتلون غرباء أتوا ليساعدوننا، بل كانوا يدافعون عن واحد من أقاليم دولتهم التي غزاها الفرنجة، وإستمر الحال على ذلك حتى مطلع القرن العشرين، لا يميز المصريون أنفسهم عن باقي أقاليم الدولة الإسلامية إلا كما يميز أبناء أي محافظة مصرية أنفسهم عن أبناء أي محافظة أخرى، حتى جاء عام 1917 وجلس واحد إسمه سايكس مع واحد إسمه بيكو ووضعوا خطوطا على الخريطة لتقسم دار الإسلام إلى أجزاء سموا كل واحد منها دولة ، وبعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى وضع المستعمرون على رأس كل جزء من هذه الأجزاء عميلا لهم ليتسلط عليه وأسموه رأسا لهذه الدولة (أميرا أو ملكا أو حتى رئيس جمهورية)، وبدأ كل عميل منهم يرسخ عند أبناء الإقليم الذي تسلط عليه أنهم شعب مستقل، وأن أبناء الأجزاء الأخرى هم شعوب أجنبية ورعايا لدول ربما تكون شقيقة، لكنها دول أخرى.
لم تقبل شعوبنا بهذا التقسيم، وإلى عهد قريب كان العروبيون ينادون بوحدة الإمة العربية من المحيط إلى الخليج، والإسلاميون ينادون بوحدة الأمة الإسلامية من غانا إلى فرغانة، ولم يقبل أي وطني أو متظاهر بالوطنية بمقولة أن فلسطين دولة أخرى، ولم يتحدث أبناء جيلي أبدا عن صراع فلسطيني إسرائيلي، بل كان على الدوام صراعا عربيا إسرائيليا في الإعلام، والقدس قضية إسلامية في خطاب الملك فيصل رحمه الله، إلى أن وصلنا إلى عصر الإنبطاح.
كل من يفكر في بنا نهضة حديثة (عربية أو إسلامية) يعرف بإستحالة تحقيق هذا الهدف إذا إستمر هذا التقسيم، ولا يسعه إلا أن ينادي بتوحيد ما قسمه المستعمرون، ويدين كل من يهمس بأن فلسطين دولة أخرى.
إن ما فعله حسام حسن، في حدود وضعه، وفي ظل الضغوط التي يتعرض لها، هو عمل بطولي يستحق الإشادة، ولا نامت أعين الجبناء.