11- السلبية والإنسحاب .. التاريخ السياسي للإثنى عشرية

منذ 3 اسابيع | 1590 مشاهدات

إستفزني منشور على فيسبوك يسأل: لماذا الفكر الشيعي أكثر ثورية من الفكر السني؟ فهو يسلم مسبقا بأن الفكر الشيعي هو الأكثر ثورية ويتساءل فقط عن السبب في ذلك .. الحقيقة أن الفكر الإثنى عشري لا يمكن إعتباره ثوريا على الإطلاق، فهو عبر تاريخه ومنذ إستشهاد الحسين (رض) وإلى عقود قليلة مضت لم يتسم فقط بالسلبية والإنسحاب بل بمعارضة كل عمل سياسي وتأثيمه، وإستمر لعدة قرون يرفض كل عمل عام حتى لو أدى هذا لتعطيل العديد من أحكام الإسلام، بل وأركانه، وينطلق في ذلك من أصوله الإعتقادية.

ملحوظة: إذا ذكرت الشيعة اليوم فإن الكلام لا يدور إلا عن شيعة إيران، الإمامية الجعفرية الإثنى عشرية، أما الزيدية والإسماعيلية الذين كان لهم مواقف مختلفة من السياسة والسلطة والدولة، فإن دورهم قد إنحسر تماما، فعندما نتحدث هنا عن الشيعة فإننا نقصد حصرا الإثنى عشرية.

ما ميز الشيعة وجعلهم فرقة مستقلة هو عقيدتهم في الإمامة (راجع "لماذا هم شيعة ونحن سنة" و"الإمامة الإلهية" و"العصمة") فالإمام عندهم ليس مجرد رئيس لدولة، وإنما ينبغي أن يكون معصوما لا يخطئ في أمور الدين ولا في أمور الدنيا، وبناء عليه فلا يمكن أن يترك أمره إلى الناس، فالله جل وعلا هو الذي يعينه ويعلمه كل ما يحتاجه ويعصمه، ولا يعرف هذا التعيين إلا بالنص المنقول عن معصوم، وقد إختار الله نسل الحسين بن علي (رض) ليرثوا الإمامة وراثة عمودية (من الأب لإبنه)، وهم لا يكتفون بذلك، بل يسبغون على أئمتهم قداسة شديدة، فها هو الخوميني يقول في كتابه "الحكومة الإسلامية" ص 52: ".. للإمام مقاما محمودا ودرجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون [!!] .. وإن من ضرورات مذهبنا أن لأئمتنا مقاما لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل [!!] .. وبموجب ما لدينا من الروايات والأحاديث فإن الرسول الأعظم والأئمة كانوا قبل هذا العالم أنوارا، فجعلهم الله بعرشه محدقين، وجعل لهم من المنزلة والزلفى ما لا يعلمه إلا الله" .. فلا عجب إذن أن تتركز سلطات الدين والدنيا في شخص الإمام ليكون هو المرجعية الوحيدة، تحرم مراجعته أو مخالفته.

لقد تبلورت النظرية السياسية للإثنى عشرية بعد وفاة الحسن العسكري (الحادي عشر) وإختفاء إبنه المزعوم (راجع "المهدي المنتظر .. الإمام الغائب عجل الله فرجه")، ولما كانت كل أمور المسلمين الدينية والدنيوية تتمحور حول تفسير الإمام ورأيه وقراراته فإن غيبته تعني توقف كل وظائف الدولة و"الإنتظار" حتى عودته وتسلمه السلطة، ومنظروا الإثنى عشرية لا يعترفون بالطبع أن عقيدة الإنتظار نتجت عن أزمة "غيبة" الإمام، بل يروون عن الأئمة أنهم هم أنفسهم لم يكونوا مخولين بأي عمل سياسي حتى قيام المهدي، الأحاديث كثيرة سنقتصر منها على بعض المنقول عن الإمام السادس جعفر الصادق (لاحظ أن أحاديث الأئمة تمتلك عندهم نفس حجية الأحاديث النبوية):

  • كل راية ترفع قبل راية المهدي فصاحبها طاغوت يعبد من دون الله.
  • كل بيعة قبل ظهور القائم فإنها بيعة كفر ونفاق وخديعة.
  • إلزم الأرض، لا تحرك يدك ولا رجلك أبدا حتى ترى علامات أذكرها لك .. وإياك وشذاذ آل محمد (لعلهم يشيرون إلى زيد بن علي).
  • أوصيك بتقوى الله وأن تلزم بيتك وتقعد في دهماء هؤلاء الناس، وإياك والخوارج مناـ فإنهم ليسو على شيء ولا إلى شيء.
  • أنظروا إل أهل بيت نبيكم، فإن لبدوا فإلبدوا، وإن إستصرخوكم فإنصروهم تؤجروا، ولا تستبقوهم فتصرعكم البلية.
  • والله لا يخرج أحد منا قبل خروج القائم إلا كان مثله كمثل فرخ طار من وكره قبل أن يستوي جناحاه فأخذه الصبيان فعبثوا به.

دخل الشيعة إذن مرحلة "الإنتظار" بعد إختفاء إبن الحسن العسكري، إنتظار "المهدي" الذي سيملأ الأرض عدلا بعد أن ملأت جورا وظلما، فحرموا الثورة وإقامة الدولة وعطلوا كل ما يتعلق بها، كجباية الخمس، والزكاة، وإقامة الحدود، وصلاة الجمعة، وغير ذلك، ورفضوا نظرية ولاية الفقيه لأنه يفتقد العصمة والنص والوراثة من الإمام السابق، ويعبر عن هذه الفكرة واحد من أهم المنظرين الذين أصلوا الأيديولوجة السياسية للإثنى عشرية، محمد بن أبي زينب النعماني (المتوفى 340 ه): "يجب الإعتقاد أن حجة الله في أرضه وخليفته على عباده في زماننا هذا هو القائم المنتظر إبن الحسن .. ويجب أن يعتقد أنه لا يجوز أن يكون القائم غيره ما بقي في غيبته، ولو بقي عمر الدنيا لم يكن القائم غيره" .. أي سلطة لن تكون إلا إغتصابا لدور المعصوم الغائب المنتظر، والجهاد مع أئمة الجور أو من غير إمام هو أمر يستحق فاعله الإثم، وإن أصاب لم يؤجر، وإن أصيب كان مأثوما، ولم يستثنوا من ذلك إلا ما كان دفاعا عن النفس أو إذا داهم الأمة عدو يخاف منه على بيضة الإسلام.

     لكن بمرور الزمن وضغط الواقع والضرورات العملية لحياة الطائفة ظهرت تخريجات بجيز للفقهاء القيام ببعض الوظائف كنواب عن الإمام، فقد وجدوا مثلا روايات عن الأئمة قبل زمن الغيبة أذنوا فيهالغيرهم في القضاء في غير وجودهم، فتوصلوا منها إلى جواز أن يمارس الفقهاء القضاء، وفي القرن الثامن الهجري قال بعض الفقهاء بجواز إقامة الجمعة كنواب عن الإمام، إلى أن قالوا بوجوب الجمعة في العصر الصفوي .. لقد كانت محاولات متفرقة لمعالجة توقف كل شيء بسبب الغيبة، بالتدريج وفي كل باب على حدة، لكنها لم ترق إلى معالجة المشكلة من جذورها، ولقد تجلت سلبية الفكر السياسي الإثنى عشري التقليدي في أواخر أيام الدولة العثمانية، عندما أعلن الشريف حسين بن علي أمير مكة الثورة العربية للإنفصال عن "الدولة التركية" (كانت هذه الحركة صناعة بريطانية إنتهت بعد سايكس بيكو)، فحاول شيعة العراق التحرك للإستقلال بدولة شيعية، لكن فقهاؤهم منعوهم بحجة أنه لو كان هذا زمنا مناسبا لقيام دولة شيعية لخرج المهدي وأقامها.

لقد بدأت في القرن 14ه بعض الجهود في إيران لتحقيق نوع من المشاركة الشعبية أسفرت عن دستور وبرلمان عام 1906 دون حسم الموقف النظري من قضية "الغيبة والإنتظار" التي إحتاجت عدة عقود لينتج الخوميني نظرية متكاملة في ولاية الفقية ويعمل في في إطارها لقيادة أول ثورة إثنى عشرية نجحت في إقامة الجمهورية الإسلامية في إيران .. سنشرح أهم سمات هذه الجمهورية ولماذا نعتقد أنها ليست الإطار المناسب لنهضة إسلامية (رغم نجاحها في بناء قوة عسكرية).

     ماذا إذن عن كل هذه الدول التي تذكرها كتب التاريخ بإعتبارها دول إثنى عشرية؟ .. هذا خطأ في التوصيف سنتناوله في المقال القادم بإذن الله.  

 

شارك المقال