12- تصحيح أخطاء المؤرخين .. الدول الشيعية قبل الخوميني

منذ 2 اسابيع | 736 مشاهدات

قام للشيعة دول زيدية وإسماعيلية عديدة، لكن لم تقم أبدا دولة تحقق فكر الإثنى عشرية، يرجع ذلك لإختلافهم حول منشأ سلطة الإمام الذي يقيم الدولة، فالزيدية لا يطلبون إلا قائدا من ذرية الحسن أو الحسين يخرج شاهرا سيفة مطالبا بالسلطة ليخرجوا خلفة، فإذا نجحوا في السيطرة على أحد الأقاليم صار دولتهم وصار القائد إمامهم، أما الإسماعيلية فقالوا أنها وراثية في ذرية إسماعيل بن جعفر الصادق، والوريث يصير إماما سواء مارس السلطة أم لا، ما يميزهم عن الإثنى عشرية هو أن نظامهم الوراثي يسمح بإستمرار الإمامة طالما بقي رجل من ذرية إسماعيل بن جعفر، أما الإثنى عشرية فأصروا على أن الإمام معين من قبل الله تعالى، وأن الإمامة تتسلسل عموديا في نسل الحسين بن علي (رض)، الأبناء فقط يرثون عن أبيهم، وعندما ينص الإمام قبل وفاته عن الإبن الذي سيخلفه فإنه لا يكون قد عينه، وإنما هو فقط يكشف عن التعين الذي تم بالإرادة الإلهية منذ الأزل، وفي الطبعة النهائية للمذهب الإثنى عشري (القرن 4ه) إعتمدوا على حيث نسبوه للرسول (ص) نص على أسماء الإثنى عشر إماما وعلى أن آخرهم سيغيب، وهو "المهدي" الذي سيظل إماما ما بقي الزمان إلى أن يخرج ويقيم الدولة، وإلى ذلك اليوم فكل راية ترفع قبل رايته فصاحبها طاغوت، وكل بيعة غير بيعته هي بيعة كفر ونفاق، لذلك لم يحدث أن قام الإثنى عشرية بثورة – لا ناجحة ولا فاشلة – كي يقيموا دولتهم، فقد كانوا في "إنتظار" الغائب.

ما حدث هو أن رجالا ينتمون للمذهب تمتعوا بعصبية قبلية قوية أو تمكنوا من قيادة مجموعات عسكرية كبيرة وجدوا في أنفسهم القدرة على السيطرة على أحد الأقاليم ففعلوا، لكنها كانت سلطة أمر واقع قائمة على الغلبة لا تتمتع بسند شرعي من وجهة نظر المذهب الإثنى عشري، فلم يعتبروهم ولاة أمر شرعيين مخولين بإقامة أحكام الإسلام، وظلوا يعدون أنفسهم في مرحلة الغيبة يعطلون ما لا يجوز لغير الإمام ممارسته، أو يلجأون لتخريجات فقهية تجيز للفقهاء إعتبار أنفسهم نوابا للإمام في بعض وظائفه، وظلوا في إنتظار الإمام ليستكمل لهم مقومات الدولة، بل أن هؤلاء الحكام لم يعتبروا أنفسهم ولاة للأمر، ولا دولهم دول حق، بنفس منطق رجب طيب أردوجان عندما صرح بأنه رئيس مسلم لدولة عالمانية.

خذ مثلا الدولة البويهية التي تسلطت على خلفاء بني العباس لمدة 120 سنة (334ه – 454ه)، فقد بدأت عندما عينت الدولة الزيارية (السنية) في طبرستان رجلا إثنا عشريا من الديلم إسمه علي بن بويه لولاية مدينة "كرج" ونواحيها، وكان رجلا ذكيا نشيطا نجح في إستمالة الناس وكون جيشا قويا ليوسع سلطته مستغلا ضعف الخلافة وعجزها عن ترتيب الأوضاع زاعما أنه يفعل ذلك لصالح الخليفة العباسي، فسيطر على أغلب بلاد فارس، وفي النهاية طلب منه الخليفة نفسه القدوم إلى بغداد لوضع حد للفوضى التي يسببها جند الخلافة من الترك، دخل بني بويه وخرج الترك دون قتال، وعين الخليفة علي بن بويه أميرا للأمراء ليتولى كل سلطات الخليفة الذي إقتصر دوره على تقليد كبير البويهيين بإمارة الأمراء وإضفاء الشرعية – شرعية الخلافة السنية – على عمله.

صار أغلب رجال الدولة وقادة الجند من الشيعة، فطرح بعض رؤساء البويهيين على الشيخ المفيد – واحد من أعمدة المذهب – السؤال المنطقي: لماذا يستتر المهدي وقد قامت دولة من المؤمنيين وإندفع الخوف الذي كان السبب في إختقائه؟ .. أحال "المفيد" الإجابة إلى الله وقال أن سر الغيبة لا يعلمه إلا هو، وإعترف بكثرة الشيعة في ظل الدولة البويهية لكنه شكك في صدقهم وشجاعتهم وتقواهم .. يذكر المؤرخون الدولة البويهية كدولة إثنى عشرية، لكن بني بويه أنفسهم لم يزعموا أنهم يحكمون دولة شيعية، فقد كانوا وكلاء عن الخليفة السني لا نوابا للإمام الشيعي.

أما الدولة الصفوية فلها قصة أخرى، فلقد أراد لها حكامها أن تكون دولة إثنى عشرية، ويصفها المؤرخون بذلك، لكنك إذا إحتكمت لأصول المذهب فمن الصعب أن تقبل هذا الوصف، الأهم في هذا السياق هو أنها لم تنتج عن ثورة إثنى عشرية، فلا يمكن بأي حال أن نستدل بها على ثورية المذهب.

حتى نهاية القرن الخامس عشر الميلادي كان أغلب سكان إيران من السنة مع جماعات شيعية متفرقة، وقد بدأت الصفوية كطريقة صوفية سنية شافعية تمتع مؤسسها بكاريزما عالية جمعت حوله كثير من الأتباع، وإستمر خلفاؤه قادة دينيين، ولسبب ما تحولوا إلى المذهب الإثنى عشري وتحول معهم أتباعهم، وبإنهيار دولة تيمور لنك بدأ عدد من الجماعات في السعي لتأسيس دولا لهم على أنقاضها، ومنهم مشايخ الصفوية الذين قاموا بعدة محاولات فاشلة لحيازة سلطة دنيوية إلى جانب قيادتهم الروحية، حتى وصلنا إلى إسماعيل الصفوي الذي تمكن من إعلان نفسه ملكا عام 1501م.

لقد طور الشاة إسماعيل الصفوي، أو تطور على يديه، فكر جديد حاول الإلتفاف على عقيدة الإنتظار، فادعى أن صاحب الزمان (المهدي) أجاز له الثورة والخروج على أمراء التركمان الذين كانوا يحكمون إيران، فبينما كان في رحلة صيد مر بنهر، فطلب من رفاقه التوقف وعبر وحده ودخل كهفا ثم خرج متقلدا سيفا وأخبر رفاقه أنه إلتقى بصاحب الزمان الذي قال له: "لقد حان وقت الخروج"، وأنه رفعه ثلاثا ثم وضعه على الأرض وشد حزامه بيده ووضع فيه خنجرا وقال له: "إذهب فقد رخصتك"، وبناء على ذلك إعتبر إسماعيل الصفوي نفسه نائب الله وخليفة الرسول والأئمة الإثنى عشر وممثل الإمام المهدي، وأعلن الإثنى عشرية دينا للدولة، وألزم الناس بالتحول إليها مستخدما وسائل قمعية في غاية القسوة وصلت لقتل علماء السنة ونفيهم.

رفض فقهاء الإثنى عشرية دعاوى الشاة، وتصدى له الشيخ المحقق علي بن الحسين بن عبد العالي الكركي الذي قال أن الفقهاء وحدهم هم نواب الإمام وأنه هو شخصيا صاحب الحق الشرعي الوحيد في الحكم، ونجح في إقناع الشاة طهماسب بن إسماعيل بأن له القدرة على إجازته بممارسة السلطة، وبذلك ظهرت نظرية إجازة الملوك من الفقهاء.

لكن تحالف الكركي مع الدولة الصفوية ومحاولة إسباغ قدر من الشرعية عليها لقي معارضة شديدة من عدد كبير من العلماء الذين أصروا عل أن نيابة الفقهاء عن الإمام تقتصر على الفتيا وتسيير بعض الأحكام الضرورية في المسائل الإجتماعية والإقتصادية والتعبدية لكنها لا تمتد للسياسة والحكم، وظلوا يعدون الملوك غاصبين لحق الأئمة المعصومين المعينين من قبل الله تعالى .. لو راجعت أصول المذهب ومبررات وجوده كما ذكرناها في المقالات السابقة لوافقت على موقف عامة فقهاء الإثنى عشرية، ولرفضت معهم وصف المؤرخين للدولة الصفوية بأنها إثنى عشرية.

كيف إذن تطور الأمر ليسمح للفقهاء بإقامة حكومة الملالي المعاصرة في إيران؟ .. المقال التالي بإذن الله.  

شارك المقال