24- هل تخلت أمريكا عن إسرائيل؟ .. لم يعد الأمر كما كان، فكيف سيكون؟

منذ 3 اسابيع | 1817 مشاهدات

يطرح بعض المعلقين فرضية أن أمريكا بصدد التخلي عن إسرائيل، يدفعهم لتبني هذه الفكرة ما قامت به أمريكا من إجراءات أغضبت إسرائيل، وما تلا ذلك من عبارات خشنة تبادلها عدد من المسؤلين من الطرفين، ويضيفون إلى ذلك ما أكدته الإستطلاعات من تنامي الغضب الشعبي الأمريكي من إسرائيل .. ليتنا نشاركهم هذا التفاؤل المريح، لكنا نراه نوعا من التفكير بالتمني .. ما سنوضحه في هذه المقالات بإذن الله هو أن أمريكا التي تعتبر إسرائيل بيدقا في ترسانتها (راجع مقال "الولاية 52") ترى أن هذا البيدق يريد الآن أن يتصرف كوزير، ويرفض تعديل تحركاته وفقا لتوجيهات الملك الذي يريد أن يغير إستراتيجيته في المنطقة، والمظاهر التي نرصدها هي جزء من طريقة أمريكا في إرغام تابعها على لعب الدور الذي تحدده الإستراتيجية الجديدة، ولدينا عدد من المؤشرات على أن هذا التغيير سيفتح نافذة يمكن لنا إستغلالها لتحسين أوضاعنا إذا بذلنا الجهد وقدمنا التضحيات .. هذا أمر جيد، بشرط أن نفهم حقيقة ما يحدث دون أن نتفاءل أكثر من اللازم، فما زال الطريق طويلا.

          خلال العقد السابق على 7 أكتوبر 2023 بدا أن كل أنظمتنا قد وصلت لحالة الإنبطاح الكامل، مع التحفظ بشأن تركيا وإيران الذان لم يعلنا الإستسلام بعد، تركيا سيتم تدجينها من خلال الضغط الإقتصادي (راجع: "بدائل أردوجان الصعبة، إسترتيجية التراجع" و"من الذي يلوي ذراع أردوجان")، أما إيران فقد تم إضعافها بعد عقود من الحصار (كان هذا هو تقديرهم قبل الحرب)، وعزلها عن محيطها الإقليمي من خلال الموقف الذي تبنته النظم الخليجية القائم على أن إيران أخطر علينا من إسرائيل، وتعزز هذا العزل بعد الدور المخزي الذي لعبته إيران (وحزب الله) في قمع ثورة الشعب السوري، في ظل هذا التصور قرر صانع السياسات الأمريكي أن الوقت قد حان لفرض السيطرة المباشرة وضمان التبعية الكاملة.

          تعلمت أمريكا من دروس العراق وأفغانستان ولم تعد مستعدة للتواجد بقواتها على الأرض لفرض هذه السيطرة، فالصعود الصيني السريع ينذر بمواجهة عالمية، وتورط أمريكا في منطقتنا سيشغلها عن إعداد المسرح العالمي للحرب القادمة، ويفسح المجال لروسيا والصين لترتيب هذا المسرح لصالحهما، هنا ظهرت إمكانية إستخدام إسرائيل للقيام بهذه المهمة وإعطائها الدعم المناسب سياسيا وعسكريا.

          الدعم العسكري لإسرائيل يحمل أمريكا بتكلفة أقل من تكلفة إرسال القوات ويجنبها المخاطرة بأرواح جنودها، والدعم السياسي يمكن توفيره بالضغط على الأنظمة العربية للإنخراط في حلف إقليمي تقوده إسرائيل (إتفاقات إبراهام).

          لكن إسرائيل كيان عضوي وليست روبوتا يمكن برمجته، وإعطائها الضوء الأخضر للهيمنة على المنطقة زاد من طموحها لبناء إمبراطورية إسرائيل الكبرى التي كانت كامنة في الأيديولوجية الصهيونية تنتظر الظروف الملائمة، وأمريكا لا تمانع في أن تختار إسرائيل التاكتيكات التي ترغب فيها وأن تحقق لنفسها بعض المكاسب مادام هذا يتم في إطار تحقيق الأهداف الأمريكية .. هذا الوضع غذى النزوع اليميني المتطرف المستند على الأسطورة التوراتية عن دولة يهودية من النيل إلى الفرات، وأدى إلى إنزياح يميني عنصري هائل في الرأي العام الإسرائيلي، وإندفعت حكومة نتنياهو بكل عنجهية لتعلن بدء مشروعها التوسعي (هل تذكر تصريحات نتنياهو المستفزة قبل الطوفان؟).

          وفجأة قامت غزة، وأبدت قدرات عالية على الصمود، ووجدت إسرائيل نفسها مضطرة لإستخدام القمع الوحشي السافر على نطاق واسع ومستمر، وهذه المرة ضبطها العالم كله متلبسة بالجرم المشهود، وتعالت الضغوط الشعبية على الحكومات الغربية لوقف التصفية الجماعية، وإستيقظت المشاعر المكبوتة في الوجدان العربي، وتعرت الحكومات، ثم جاءت تلك الحرب الغبية على إيران (لم يظن ترامب أنها ستكون حربا)، وظهرت لإيران قدرات عسكرية عالية وأبدت قدرا كبيرا من الذكاء والحنكة في إدارة المواجهة، وصمتت أصوات المعارضة الداخلية، وتوحد الشعب خلف حكومته، لابد أن تعجب بالأداء الإيراني مهما كان رأيك في نظام الملالي، وعادت الشعوب العربية لتدرك جدوى المقاومة المسلحة وإحتمالات نجاحها، كما إتضح أن إيران ليست مجرد دولة إقليمية معزولة ولكنها جزء من محور المواجهة العالمية الذي تقوده الصين، بل رأس حربته في منطقتنا .. بدون الدخول في تفاصيل يعرفها الجميع إنهار حلم إسرائيل الكبرى وتبخرت أوهام قدرة إسرائيل على إخضاع الشرق الإوسط .. لابد لأمريكا من تعديل إستراتيجيتها قبل أن تفقد نفوذها.

          لم تتراجع الإدارة الأمريكية عن رغبتها في الهيمنة على منطقتنا، ليس فقط بسبب مواردها الإقتصادية، وإنما، وهو الأهم، بسبب موقعها الجيوسياسي ودوره في الصراع العالمي .. ما هي الإستراتيجية الجديدة التي يمكننا إستقراء ملامحها من متابعة العديد من التقارير (بعضها تقارير للأجهزة الأمريكية سربتها للضغط على حكومتها لدفعها للتخلي عن هدف السيطرة المباشرة) ؟ .. لم تعد الأولوية للمصالح الإقتصادية، وإن ظلت لها أهميتها، وصارت الأولوية لهدوء المنطقة تحت المظلة الأمريكية وضمان أمن الأنظمة الحليفة (مشيها حليفة) ومنع النفوذ الصيني الروسي من التغلغل فيها .. لا يمكن السماح بتلك الفوضى العارمة التي ستنتج عن محاولات نتنياهو لبناء إمبراطورية لا يملك مقومات إقامتها، فالمناورات الإسرائيلية الفاشلة ستسمح للنفوذ الإيراني بالتمدد، وستغري قوى المعارضة المحلية بالنهوض ومحاولة تجربة الإستفادة من تطلعات الصين لبناء رؤوس جسور لها في الشرق الأوسط (سمعت من أحد مرافقي الرئيس الشهيد محمد مرسي في رحلته إلى الصين أن المسؤلين هناك كادوا أن يصرحوا بأنهم ليسو جاهزين بعد لمنافسة النفوذ الأمريكي في منطقتنا، لكن هذا كان منذ 14 سنة) .. لا يبدو أن الإستراتيجية الأمريكية الجديدة لتحقيق التهدئة في ظل الهيمنة الأمريكية قد تبلورت بعد، ولا يتسع هذا المقال لعرض البدائل التي نتصور أن أجهزة صنع القرار تعمل على دراستها والإختيار منها، سيكون هذا بإذن الله موضوع المقالات القادمة، لكن يمكننا القول بأنها كلها تتطلب أن تعود إسرائيل للعب دورها السابق: عصا في يد أمريكا تهدد بها نظم المنطقة وتجبرها على التناغم مع المصالح الأمريكية، مع ضرورة المحافظة على هذه الأنظمة (وليس بالضرورة على أشخاص الحكام) وإعطائها بعض المكاسب التي يمكن أن تستخدمها لتهدئة شعوبها وإقناعها بجدوى المسارات السياسية وصرفها عن التفكير في المقاومة المسلحة.

          لا يمكن لإسرائيل الدولة إلا أن تنصاع للتوجيهات الأميكية (سبق أن فندنا خرافة أن اليهود هم الذين يحركون أمريكا في "الولاية 52")، ومهما كانت هذه التوجيهات فإنها ستضمن بقاء إسرائيل التي لا يمكنها الإستمرار في الوجود بدون الدعم الأمريكي، المشكلة هي أن التخلي عن أوهام الإمبراطورية سيقضي على مستقبل نتنياهو وزمرته، بالإضافة إلى أنهم خلال فترة حكمهم غذوا سعارا أيديولوجيا عنصريا متطرفا سيطر على شعبهم، وعملية إحلال نخبة جديدة قادرة على السيطرة على هذا السعار والعودة إلى الحالة التي كانت عليها إسرائيل في نهاية القرن العشرين هي مشكلة حقيقية، وهذا ما أدى بالأجهزة  الأمريكية للشعور بأنهم بحاجة إلى عملية جراحية لعلاج هذا الوضع، وهم يوصون بها للحفاظ على حياة المريض حتى يمكنهم الإستفادة منه .. يحتاج الأمر لمزيد من التفاصيل، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.    

شارك المقال