25- إستراتيجية أمريكية بديلة .. كيف غيرت إيران الوضع في المنطقة

منذ 2 اسابيع | 848 مشاهدات

كيف غيرت إيران تصور صانع الإستراتيجية الأمريكية لطبيعة التحدي الذي يواجهه في منطقتنا؟ .. ذكرنا في المقال السابق أن أمريكا كانت ترى أنها تهيمن بالفعل على كل النظم الحاكمة، وتحتاج لضمان عدم تسرب النفوذ الصيني الروسي إليها، وقد بنت إستراتيجيتها على أن إسرائيل هي التي ستقوم بالعمليات اللازمة لإستمرار خضوع المنطقة .. أثبتت إيران قدرتها على منع إسرائيل من القيام بهذا الدور.

          قدرت أمريكا أن هيمنتها لم يعد يشغب عليها إلا بعض الجيوب المدعومة إيرانيا في سوريا (قبل سقوط الأسد) ولبنان وفلسطين والعراق واليمن، وهذه الجيوب يمكن لإسرائيل تصفيتها بسهولة إذا تم إسقاط النظام الإيراني (حكاية النووي ليست إلا حجة للتدخل، كما كانت حكاية أسلحة الدمار الشامل حجة لإسقاط صدام حسين)، وأقنعتها إسرائيل بأنها قامت بكل الترتيبات اللازمة لإستبدال نظام الملالي بآخر موالي، فالنظام مخترق، والمعارضة تم تنظيمها وتسليحها، والأكراد الإنفصاليون جاهزون للتمرد العسكري .. إلخ، وكل المطلوب هو قطع رأس النظام وإغتيال معظم قادته بضربة قد أعد لها جيدا مع قصف عدد كبير من المواقع الإستراتيجية المختارة بعناية لزعزعة النظام، ثم يتولى الموساد قيادة عملية الإستيلاء على السلطة، وكل ما تحتاجه إسرائيل من أمريكا هو المساعدة في القيام بضربة جوية واسعة وسريعة لن تستغرق سوى عدة أيام، بالإضافة إلى حماية أجوائها من الهجمات الصاروخية، وبعدها سينتهي كل شيء طبقا لخطة الموساد.

          لقد صور الموساد الأمر وكأن الإحتجاجات التي هزت إيران قبل الحرب كانت من صنع التنظيم الذي أقامه هناك .. أثبتت أحداث المواجهة أن هذه كانت مجرد أوهام، فتنظيمه لم يكن بهذه القوة، وإستطاع الإيرانيون تصفية خلاياه في أيام قليلة، أما المظاهرات فقد كان عمادها قوى وطنية مخلصة معارضة للملالي وولاية الفقيه، لكنها غير مستعدة بأي حال لإستبداله بنظام عميل، وعندما إدلهم الوضع وقفت هذه القوى خلف الحرس الثوري حفاظا على إستقلال الوطن (تذكر هذه النقطة، فسنرجع إليها بالتفصيل عندما نعود لبحث إحتمالات التحالف السني الشيعي) .. في ظل عدم وجود قوات مناهضة للنظام على الأرض صار من المؤكد أنه لا يمكن إسقاطه بضربات جوية مهما كانت كثافتها، بل على العكس، أدت هذه الضربات لتلاحم الجبهة الداخلية الإيرانية (ما كان إستنتاجا صار مؤكدا بعد مشاهد جنازة خامنئي)، كما خلقت تعاطفا جماهيريا واسعا لإيران عند الجماهير السنية التي أدركت بحسها التاريخي، ودون أن يشرح لها أحد (تقريبا، فقد حاولنا وآخرون، لكنها أصوات خافته لا يمكن أن تكون هي التي أحدثت هذا التعاطف) أن النظام الإيراني، مهما كانت سوءاته، هو الآن حائط صد يحمي المنطقة من عدوها الوجودي (يذكرنا هذا بالتعاطف مع الرئيس الراحل صدام حسين بعد العدوان الأمريكي على العراق).

          أما على صعيد قوى المقاومة (الجيوب الإرهابية بزعمهم) فقد خسرت إسرائيل الكثير مما حققته لها الجرائم الوحشية التي إرتكبتها خلال العامين المنصرمين، وهذه الخسائر هي بالنسبة لنا مكاسب يجب أن نعيها كما وعاها الأمريكان.

          إستعادت جماهير المنطة ثقتها في جدوى المقاومة المسلحة بعد أن كادت الدعاية المضللة تنجح في إقناعها بأن المقاومة كانت تنطح في الصخر، والحواضن الشعبية في غزة وجنوب لبنان صلبت ظهورها وإطمأنت إلى أن تضحياتها لا تذهب سدى، وإستعاد حزب الله قدرانه العسكرية، وعاد يواجه الجيش الإسرائيلي ويتحدى الدولة اللبنانية بدرجة أكثر صراحة،  وها هو الحوثي يبدأ محاولات فك الحصار السعودي المضروب عليه منذ عقد كامل، ويذكر السعودية بقدرته على ضرب مواقعها البترولية، ويهددها بإغلاق مضيق باب المندب، وهو تهديد شديد الخطورة في ظل إغلاق هرمز، ويحتمل أن تتمكن حماس والجهاد الإسلامي من تحقيق بعض النجاح في إعادة التسلح (ربما يكون ما تقوله الدعاية الإسرائيلية عن إستعادة حماس لكامل قدراتها مجرد تبرير للعودة لضرب غزة، لكن لا يمكن إستبعاد الفكرة تماما، والأمريكان يضعونها في حساباتهم على أي حال).

          وتلوح في الأفق إحتمالات تفلت دول الخليج التي كانت محميات أمريكية منبطحة تماما، فيبدو أنها بدأت تفكر جديا في حاجتها لتدعيم قدرتها على حماية نفسها، لا أظن أنها قد وصلت إلى إستبعاد الحماية الأمريكية تماما، لكنها تشعر بمحدودية هذه الحماية وحاجتها لترتيبات إضافية، ليس لديها الآن تصور واضح للبدائل (والتي سيكون من بينها تخفيف العداء لإيران)، لكنها بالتأكيد أصبحت ترفض حالة الإنبطاح الكامل، ليس لأنها أفاقت وأدركت مسئولياتها الوطنية والقومية، ولكن لأنها تريد حماية وجودها.

          إن تتبع الرسائل الأمريكية المتعارضة تشير إلى أن النخبة لم تحسم رأيها بعد بشأن الإتجاه الذي ستسير فيه السياسة الأمريكية، دعك من تصريحات ترامب، فهي لا تعبر عن موقف متماسك، ويبدو أنها تعكس الحالة المزاجية المضطربة للرجل، لكن تصريحات نائب الرئيس التي يرى الكثيرون أنها بداية حملته للترشح للإنتخابات الرئاسية والتي يؤكد فيها على أن المصالح الأمريكية تختلف في بعض النقاط عن المصالح الإسرائيلية فتوضح إدراكه لفشل سياسة الإعتماد على إسرائيل، وأن أمريكا لا ينبغي أن تستمر في تفويضها، مع ضرورة كبح بعض التوجهات الإسرائيلية التي إتضح أثرها السلبي على المصالح الأمريكية، صحيح أنه لم يوضح  نقاط الإختلاف، غالبا لأنه لم يحددها بعد،  لكنه يرى أن تدير أمريكا مصالحها بنفسها .. نائب الرئيس ليس مجرد صاحب رأي، فهو يعبر عما تريده القوى السياسية التي يأمل أن يحصل على دعمها للوصول إلى الرئاسة.

          والعديد من أعضاء الكونجرس والمرشحون لإنتخابات نوفمبر يصرحون بنقدهم لإسرائيل، ويفصلون أنفسهم عن "إيباك"، وهو نفس الخط الذي عبر عنه نائب الرئيس بطريقة أكثر لباقة، أضف إلى ذلك تلك التقارير الإعلامية التي تتجه لتحميل إسرائيل النصيب الأكبر من فشل الحرب (بعضها يبدو واضحا فيه أثر التسريبات المخابراتية)، وكل ذلك يؤكد وجود إتجاه يعمل على تغيير السياسة السابقة  وتعديل دور إسرائيل في المنطقة، وهذا يختلف بالطبع عن التخلي عنها.

          لا يمكن أن يكون الإتفاق الأخير معبرا عن النوايا الحقيقية لأمريكا، إنها مجرد مهلة لإلتقاط الأنفاس والبحث عن الطريقة المناسبة للحفاظ على الهيمنة .. يمكننا أن نلمح ثلاثة مداخل مطروحة:

           الأول: أن تستمر أمريكا في جهدها العسكري لتحطيم النظام الإيراني والقضاء عليه تماما لترتاح من هذا "النزناز"، وهي تبحث الوسائل الممكنة لتحقيق ذلك، لكن فشل هذا الحل ستكون له نتائج كارثية.

          الثاني: دعم حلفاء أمريكا في المنطقة (تركيا والسعودية أساسا) ليقوموا هم بتحجيم إيران وعزلها عن "أذرعها" ثم تصفية هذه الأذرع بأساليب لا تستفز شعوب المنطقة وتضمن هدوءا دائما، يحمل أنصار هذا المدخل أقوى الحجج العقلانية، لكنه لا يخلو من خطر تمرد هذه القوى الإقليمية بعد تقويتها، فتطمع في لعب دور أكبر في إدارة المنطقة، وربما الإستقلال بها عندما يتأزم وضع الإمبراطورية.

          الثالث: مزيج منهما، تقوم أمريكا بإضعاف إيران بحيث يتمكن الحلفاء الإقليميين من السيطرة عليها دون حاجة لتقويتهم لدرجة تغريهم بالإستقلال.

          صياغة المداخل بهذا التبسيط قد يكون مضللا، فالمسائل أكثر تعقيدا وتداخلا وتعارضا إذا نظرنا لها من وجهة نظر أمريكية ..

شارك المقال