منذ 2 اسابيع | 1021 مشاهدات
لماذا يتسم سلوك الإدارة الأمريكية بكل هذا الإرتباك؟ .. ترى قراراتها تسير في إتجاه معين، ثم تنعطف إلى إتجاه آخر، ثم تعود للإتجاه الأول، دون أن يكون ذلك إنعكاسا لأية مستجدات، فقط أمريكا تغير رأيها .. هل هي نزوات رئيس يرتجل قراراته؟ أم أنه صراع أجنحة لها توجهات مختلفة؟ أم تراه تعبيرا عن إرتباك إمبراطورية تعيش مرحلة الأفول؟ .. ألم يقولوا لنا، وسلوك أمريكا لعقود طويلة أكد صدقهم، إنها دولة مؤسسات، والفرق بين رئيس وآخر هو في طريقة تنفيذ سياسات عقلانية وخطط طويلة الأجل تضعها مؤسسات مستقرة وأجهزة متخصصة ومراكز أبحاث علمية متقدمة .. إلخ؟ .. إذن ما هذا الذي تفعله أمريكا؟ .. دعونا أولا نستعرض مظاهر السلوك الذي نصفه بالإرتباك والتذبذب، وبعدها نقدم أفضل التفسيرات التي عثرنا عليها.
بدأت أمريكا حربها بهدف معلن هو إسقاط النظام الإيراني بضربات سريعة ستحقق الهدف في أيام قليلة (راجع: إستراتيجية أمريكية بديلة لبيان عناصر الخطة التي وضعتها الموساد وأسباب فشلها)، وعندما طالت هذه الأيام ظهرت تسريبات مخابراتية تحاول بها هذه الأجهزة تبرئة نفسها، فقالت أنها لم تقدم للرئيس أية تقارير تفيد أن إيران تمثل خطرا حالا على أمريكا يتطلب تدخلا عسكريا، كما نفت وجود أي معلومات عن شروع إيران في إنتاج أسلحة نووية، وأنها عندما إطلعت على خطة الموساد قالت أنها "كلام فارغ" لا يملك فرصة للنجاح، لكن الرئيس أعطى للتقديرات الإسرائيلية وزنا أكبر من تقديرات أجهزته [!!!]، ولم تكتشف أي جهة المنطق الحقيقي الذى بنى عليه الرئيس موقفه (بإستثناء حكاية المستمسكات الإبستينية التي يملك نتنياهو نسخة منها) .. تنصلت المؤسسات من هذه الحرب، وإعتبرتها قرارا يتحمل الرئيس وحده مسئوليته، كأي واحد من ديكتاتورات العالم الثالث.
بعد 39 يوما توقف القتال وبدا أن ترامب قد أدرك خطأ التقديرات الإسرائيلية وأن الضربات الجوية لن تؤدي لتركيع إيران، وأنه يتجه إلى تسوية سياسية، لكن إعلان بنود الإتفاق الإطاري أثار دهشة المراقبين، إذ إتضح أنه يميل بدرجة ملحوظة لصالح إيران، قال الذين يريدون أن يروا بعض العقلانية في سلوك الإدارة الأمريكية أنه مجرد إطار للمفاوضات، والعبرة بالإتفاق النهائي، وأمريكا لديها الكثير من أوراق الضغط التي تمكنها من الوصول إلى تسوية مرضية، وأن ترامب أراد تهدئة سريعة تلطف من الآثار الإقتصادية الناتجة عن غلق المضيق، ولابد أنه سيجهز لعمل عسكري كبير وحاسم يحقق الهدف في حال فشل المفاوضات .. تعال نفهم هذا الكلام.
لعلك تذكر أنه بعد إغلاق المضيق توقع الخبراء أن يصل سعر برميل النفط إلى 150 دولارا، الأمر الذي سيؤدي إلى ركود إقتصادي ينذر بكارثة (راجع: كيف ستنتصر إيران)، لكن ما حدث هو أن الدول الصناعية سحبت كميات كبيرة من مخزونها الإستراتيجي وطرحتها في الأسواق، مع بعض التدابير الأخرى، لتعويض نقص النفط الخليجي، فلم يرتفع السعر إلا ب50% تقريبا من سعره قبل الأزمة، ولكن المخزون تدنى لمستويات حرجة تنذر بإنفلات السعر وبداية ركود إقتصادي عالمي، وأرادت أمريكا تهدئة تسمح بإنسياب الإمدادات الخليجية وعودة السعر لمستواه الطبيعي ليتم إعادة بناء إحتياطيات النفط، وقد تحقق هذا بالفعل (إنخفض السعر، لكن المخزون لم يتم تعويضه بالكامل)، وبالإضافة لذلك أراد ترامب مهلة التفاوض كي تتمكن القيادة العسكرية من بناء حشود القوات القادرة على إخضاع إيران والإستيلاء على المضيق بالقوة، وهذه الحشود ربما تضغط على المفاوض الإيراني وترغمه على تقديم التنازلات المطلوبة بدون الحاجة لعمليات عسكرية .. سنرى أن هذا كان خطأ آخر في التقدير.
قبلت إيران فتح المضيق بدون رسوم عبور لمدة الستين يوما التي نص عليها الإتفاق، لكنها لم تقبل إعلان الرجوع عن حقها في إدارة المضيق .. السفن ستمر بدون رسوم لكن تحت السيطرة الإيرانية، فهذه السيطرة هي أهم أسلحتها في مواجهة العدوان الأمريكي، كما أن رسوم العبور التي ستحصل عليها بعد إنتهاء المهلة هي المصدر الأساسي لتمويل عمليات إصلاح البنية التحتية المدنية والعسكرية التي منيت بخسائر فادحة خلال الحرب، وبغير هذا الإصلاح ستعاني إيران من إنهيار إقتصادي محتم، فينهار النظام تلقائيا من الداخل .. ترامب يعرف ذلك، لكنه لم يوقع الإتفاق ليعطي إيران هذا المكسب، فقد ظن أنه سيجهز بسرعة حملة عسكرية قادرة على إنتزاع المضيق والقضاء على النظام إذا لم تفلح المفاوضات في إعطائه ما يريد، فهو يعتقد أن أمريكا تملك قوة كاسحة قادرة على أي شيء .. لكن يبدو أنه لم يحسب حساب السقف الزمني المنخفض الذي لن يمكنه من تنفيذ هذه العملية [!!].
موعد الإنتخابات النصفية للكونجرس في نوفمبر القادم هو لحظة الحقيقة لدونالد ترامب، إذا أصبحت الأغلبية للديموقراطيين فلن يكتفوا بعرقلة خطط الحرب، بل ستبدأ إجراءات عزله، التهم كثيرة، وستصاب إدارته بالشلل .. بعد أيام قليلة من توقيع الإتفاق إتضح أن الخطط التي يدرسها البنتاجون لغزو إيران تتطلب حشد 400 ألف جندي مع معداتهم، ولا يوجد منهم في المنطقة إلا أقل من 50 ألفا، وستستغرق هذه التعبئة ستة أشهر، والقواعد الأمريكية القريبة من إيران قد تضررت بشدة، وبعضها لايمكن الإستفادة منه، وبغض النظر عن مشكلة مراكز الحشد ونقاط الإنطلاق فإن الغزو لن يبدأ قبل شهر ديسمبر، أي بعد الإنتخابات .. معنى هذا أن أمريكا لا تملك ورقة الضغط التي ستجبر الإيرانيين على الإعتدال في مطالبهم خلال فترة التفاوض، ولا يمكنه الإنتظار لستة أشهر، فالأزمة الإقتصادية ستكون قد تفاقمت، إذ من المحتم أن تنفجر أسعار النفط عندما يتضح فشل المفاوضات (وهذا هو ما حث بالفعل بعد عودة المواجهة العسكرية وإعلان إلغاء الإتفاق)، والإحتمال الأكبر هو أن يمنع الكونجرس الديموقراطي تنفيذ هذه الخطة من أصله، فتكلفتها كبيرة ومخاطرها عالية ونتائجها غير مضمونة .. إكتشف ترامب بسرعة أن التقديرات التي إتخذ على أساسها قرار التهدئة كانت خاطئة، فغير رأيه وقرر العودة للضربات الجوية.
لقد أكدت التجربة لترامب أن الضربات الجوية لن تركع إيران لذلك عدل عنها، فلماذا يعود إليها الآن؟ .. لماذا يظن أن نفس العمل سيأتي هذه المرة بناتج مختلفة؟ يقولون أنه يضعه في إطار آخر هذه المرة .. سنفحص بإذن الله هذا الإطار الآخر في المقال القادم.