منذ 2 اسابيع | 1076 مشاهدات
فتاوى تؤيد آل سعود وأخرى تدين تدخلهم في اليمن، وكلا الفريقين يقدم أدلته، نحن لا نهتم بما يقوله فقهاء السلاطين الذين عراهم موقفهم المخزي من طوفان الأقصى، ما يشغلنا هو ما صدر عن علماء بارزين عرفوا بإستقلالهم الفكري وحملهم لهم الأمة، لن أناقش بالطبع أدلتهم أو طريقتهم في الإستنباط، فلست مؤهلا لذلك، سأقتصر على الجوانب العملية التي ينبغي أن يضعها المفتي في إعتباره، والتي أملك من العلم والخبرة ما يؤهلني للكلام فيها، ففي كتب أصول الفقه نجد أن من شروط الفتوى السليمة ألا يؤدي إعمالها إلى نتائج تتصادم مع مقاصد الشريعة، وهذا يتطلب إستقراء التداعيات الجيوسياسية للفتوى للإطمئنان إلى نتائجها، كما يجب على المفتي أن يدرس حال المستفتي وهدفه من طلب الفتوى حتى لا يفتيه بما يشجعه على سلوك مسلك يضر بنفسه أو بالمجتمع.. لسنا بصدد قضية نظرية يمكننا أن نتركها للفقهاء وحدهم يتجادلون بشأنها بعيدا عن تداعياتها المحتملة، فهذه فتوى سينبني عليها مواقف عملية تراق فيها الدماء وتهدر الثروات ويتحدد على أساسها مصير الأمة لعقود قادمة.
معروف أن الإلمام بنصوص الكتاب والسنة وعلوم اللغة ومناهج الإستنباط وغيرها من العلوم الشرعية لا تكفي وحدها لضمان صحة الفتوى عندما يتعلق الأمر بمسألة لها جوانب علمية أو عملية، فإستيعاب وفهم الواقع الموضوعي والعوامل التي تؤثر عليه شرط ضروري، هذه قاعدة أصلها الأصوليون منذ الإمام الشافعي (رض) وجرى العمل بها منذ زمن الصحابة (رض)، ويحتاج الفقية للإستعانة بأهل الإختصاص أصحاب الخبرة كي يلم بالجوانب التي لا تتناولها العلوم الشرعية التي يتقنها، ولدينا العديد من الأمثلة المشهورة لأحكام توصل لها كبار أئمة الفقه بناء على معلومات أخذوها من خبراء عصرهم، ثم مع الزمن تبين خطأ هذه المعلومات فتم تعديل الحكم، كمسألة الزوجة التي تضع حملها بعد فترة طويلة من غياب زوجها أو وفاته، يتطلب الأمر معرفة أقصى مدة للحمل عند دراسة أحكام ثبوت النسب وتوزيع التركة وغيرها، وقرر أطباء زمنهم أن الحمل يمكن أن يستمر لمدة تصل إلى أربع أو خمس سنوات، بهذا أخذ الفقهاء قديما، وعندما أثبت العلم الحديث أن الحمل لا يمكن أن يستمر لأكثر من سنة واحدة أعيد النظر في هذه الأحكام وتم تعديلها، ولقد أصبح من المستقر عند فقهاء عصرنا ضرورة الرجوع إلى المختصين عندما يتعلق الأمر بمسألة لها جوانب علمية أو فنية، لكنهم ما زالوا يفتون إستنادا إلى معلوماتهم العامة غن الموضوع في قضايا ذات طابع سياسي أو إجتماعي، ربما كان هذا مقبولا في الزمن القديم عندما كانت هذه الأمور تعد من الثقافة العامة التي يفهمها كل أهل الفكر، لكنها الآن، وفي ظل التعقيد الهائل الذي بات يحيط بها، أصبح لها علومها المتخصصة التي ينفق فيها أصحاب الإختصاص أعمارهم .. في عالمنا المعاصر لم يعد فهم التداعيات الجيوسياسية لمسائل السياسة والصراعات الدولية ممكنا بالإستناد للمعلومات العامة والخبرة الشخصية للمفتي، وبالطبع لا يمكننا الإطمئنان للأفكار التي كانت مقبولة في هذا المجال لدى علماء القرون الأولى .. هذا ما يدعونا لمطالبة بعض علمائنا الأجلاء بمراجعة فتاواهم التي يرى الخبراء أن لها عواقب وخيمة على مستقبل الأمة.
.. هذا الموقف يستدعي للذاكرة داهية غزو العراق للكويت والكوارث التي تسببت فيها فتاوى لم يدرس أصحابها، ولعلهم لم يكونوا قادرين على أن يدرسوا، تداعياتها على الأمة.
عندما وصلت أنباء مغامرة صدام حسين تداعت قيادات التحالف الإسلامي (الإخوان وحزب العمل) لإتخاذ موقف موحد، خاصة بعد صدور فتوى الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله الشهيرة بجواز الإستعانة بالكفار لرد العدوان، ونظرا لقربي من معلمي وصديقي الراحل الأستاذ عادل حسين رحمه الله فقد كنت مطلعا على الخطوط العريضة للمناقشات التي شارك فيها عدد من كبار العلماء الشرعيين بالإضافة إلى القادة السياسيين، وقد وصل العلماء إلى أن فتوى بن باز هي فتوى شاذة (لا يحب العلماء وصف الفتاوى التي يرون أنها لا تستند إلى أدلة صحيحة بأنها خطأ، بل يصفونها بالشذوذ)، وأهم ما أذكره مما قيل وقتها هو أولا: أن فتاوى القدماء بجواز الإستعانة بالكافر لصد العدوان قد صدرت في مواجهة عدوان كافر آخر، ولم يفت عالم بجواز الإستعانة بكافر لقتال مسلم، وثانيا: أن هذا الكافر الذي يريدون الإستعانة به هو بالتحديد الأشد عداوة والأعتى قوة والأفجر خصومة بما لا يقارن بهذا المسلم الذي نريد صد عدوانه .. وبناء عليه إتخذ التحالف الإسلامي موقفا يدعو للبدء أولا بالإتصال بالعراق (الكلام موجه لكل النظم العربية والإسلامية التي نددت بغزو العراق للكويت وأبدت إستعدادها للمشاركة في تحالف دولي بقيادة أمريكا في ما سمي بحرب تحرير الكويت) والضغط عليه بكل الوسائل السلمية، فإن لم تفلح هذه الضغوط فإن التوجيه القرآني واضح: "وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ .." الحجرات: 9 ، وهو يفرض على المسلمين قتال الباغي بأنفسهم، وليس إستدعاء أمريكا.
أذكر أنه بعد تبلور هذا الموقف سألت أستاذي الراحل: وهل تظن أن الدول الإسلامية ستوجه جيوشها لإخراج صدام من الكويت؟ فكان تقديره هو أنه يستبعد بالطبع أن تتشكل قوة إسلامية لحرب العراق، لكن مهما كان الأمر فعلينا أن نبذل كل وسعنا، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، للحيلولة دون دخول القوات الأمريكية للخليج، فهي إن دخلت فلن تخرج، وستكون خسائر الأمة الإسلامية من سيطرة أمريكا على الخليج أكبر بمراحل من الخسائر التي ستنجم عن ضم العراق للكويت، فسألت: وماذا عن حقوق الكويتيين ونحن نعلم عسف وإستبداد نظام صدام؟ قال: هذه مأساة بالفعل، لكن مظالم صدام ستنتهي في وقت ما، بينما ستستمر وحدة قطرين من أقطار المسلمين، وستتمكن الدولة الموحدة بإذن الله من بناء نظام صالح يرعى كل أبنائها، أما سيطرة أمريكا على الخليج فلن تنتهي إلا بمعارك ضارية وخسائر جسيمة سيتحمل أهل الخليج أنفسهم النصيب الأكبر منها.
الوضع في اليمن أشد إلتباسا وأكثر تعقيدا، وسنناقش في المقالات التالية بإذن الله بعض المقدمات التي ساقها الشيخ محمد الحسن ولد الددو ليخلص منها إلى فتوى بشأن الحرب في اليمن، والتي يستغلها هؤلاء الذين يدعون لإطلاق يد آل سعود في حربهم على أنصار الله (الحوثيين)، وأكاد أثق في أن فضيلته سيعيد النظر في فتواه عندما يحاط علما بحقيقة الوضع.