منذ 5 ايام | 579 مشاهدات
أرجو أن أوضح منذ البداية أن رفض التدخل السعودي في اليمن، دوافعه ومنطقه وأسلوبه، لا يعني بأي حال قبول الموقف الحوثي ولا طريقة تعامله مع الحالة اليمنية، أما حزب الإصلاح (إخوان اليمن) فكل ما لدي لهم هو قوله تعالى: “وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ” هود: 113، وسأعرض في نهاية السلسلة ما أظنه الموقف السليم من وجهة نظر فكر الإحياء الإسلامي، بعد أن ننتهي من مناقشة عدد من الأفكار التي طرحها شيخنا الجليل محمد الحسن ولد الددو كحيثيات لفتواه التي عرضها في لقاء تلفزيوني، وبعد أن نشرنا مقالنا السابق وجدنا فيديو قصير لفضيلته يعدل فتواه، ولم أجد فيه ما يستدعي أي تعديل على ملاحظاتي، وهي في نظري ملاحظات في غاية الحساسية تتعلق بالأسس الفكرية لحركة الإحياء المعاصرة، فقد وجدت في الكلام ما يسبب تشوشا كبيرا لدى العاملين لإستعادة الإسلام في كل جوانب الحياة، ليس فقط بسبب موقفه من التحالف السني الشيعي الذي إتضحت أهميته في هذه اللحظات الحرجة (لا نقصد بالطبع التحالف مع نظام الملالي، بل بناء جبهة جماهيرية موحدة تضم السنة والشيعة في مواجهة تحديات النهضة ومقاومة التبعية – راجع سلسلة "عن الشيعة والتشيع")، فالأهم من ذلك هو ما أثارة الشيخ الجليل مما يمس بعمق فكرتنا عن طبيعة التغيير السياسي والثقافي المنشود.
سأبدأ بمناقشة بعض الحقائق التاريخية والمبادئ العامة التي تعرض لها الشيخ ضمن حيثيات الفتوى، ثم نضع الفتوى في سياقها الجيوسياسي لنبين كيف تؤدي لنتائج تتعارض مع مقاصد الشريعة، وفي النهاية أقدم بعض المقترحات.
* * * * *
واحد من المحاور الرئيسية في كلام الشيخ هو الطعن في عقيدة شيعة اليمن (الزيدية) من خلال ربطهم بشيعة إيران (الإثنا عشرية الذين يتلبسون بإنحرافات يبرأ منها الزيدية) ثم التأكيد على أنهم أخطر على الأمة من الصهاينة، وكنت أظنها فكرة وهابية سقطت ولم تعد في حاجة لتفنيد، ليصل في النهاية إلى أن العلاقة الوحيدة المقبولة مع الشيعة بصفة عامة هي أن يقبلوا بالخضوع لحكم السنة، وهي فكرة طائفية لا أدري كيف تورط الشيخ فيها، والأخطر من الفكرة هو منهجه في الوصول إليها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
يقول الشيخ: "الشيعة سعوا دائما لأن تكون لهم دولة .."، وطالما ان الكلام يدور حول شيعة إيران الإمامية الإثنا عشرية فإن وقائع التاريخ لا تسنده .. إنه خطأ واضح .. فمنذ إستشهاد الحسين بن علي (رض) لم يحاول الإثنا عشرية إقامة دولة، بل على العكس رفضوا السعي للحكم رفضا قاطعا حتى صار هذا واحدا من أصول مذهبهم (راجع مقال: "السلبية والإنسحاب" و"تصحيح أخطاء المؤرخين") إلى أن خرج الخوميني بنظريته عن ولاية الفقيه، والتي عارضها وما يزال عدد من كبار مراجع الإثنا عشرية (راجع مقال: "الإنتكاسة الخومينية")، ولعل الشيخ خلط هنا بين الإثنا عشرية من جهة والإسماعيلية والزيدية من جهة أخرى، وحتى بعد الخوميني ما زالت مسائل الدولة والسلطة والحكم موضع خلاف عدد كبير من مراجع الإثنا عشرية الذين يصرون على الإستمرار في إنتظار الإمام الغائب ليقيم لهم دولتهم.
* * * * *
وتلعب المرجعية دورا محوريا في الحياة الدينية للشيعي الإثنا عشري الذي ينبغي عليه أن يختار واحدا من المراجع العليا (يحمل الواحد منهم لقب "آية الله العظمى") ليقلده فقهيا، ويدفع له خمس دخله، ويقبل قضاه في المنازعات وغيرها من المسائل الحيوية .. يقول الشيخ أنهم "يرون أن من كان نسبه عربيا لا يمكن أن يكون مرجعا، لأنهم يربطون المذهب بالعرق الفارسي .." .. هذا للأسف كلام لا أصل له، روجت له بعض الأبواق الإعلامية لتنفير جماهير السنة ليس من النظام الإيراني بل من الشيعة العرب بإعتبار أنهم ينتمون فكريا لمرجعية إيرانية أجنبية، تماما كما عملوا على إلصاق صفة المجوس بالفرس لإخراجهم من أمة الإسلام، لكن الحقائق، عبر التاريخ أو في الزمن الحاضر، تنفي هذا الزعم نفيا قاطعا.
لقد نشأ المذهب الإثنا عشري نشأة عربية خالصة، وظلت بلاد فارس سنية حتى قيام الدولة الصفوية في القرن 16 الميلادي، وعندما أراد الشاه إسماعيل الصفوي تشييع الفرس إضطر لإستيراد حولي مائة عالم من جبل عامل بلبنان حتى يعلموا المذهب للفرس الذين فرض عليهم التشيع بالحديد والنار.
لن تجد في أدبيات المذهب أي معيار قومي أو عنصري لتولي منصب المرجع، ستجد معايير مرتبطة بكونه مجتهدا مطلقا وواحدا من أعلم أهل زمانه ومتصفا بالعدالة، مع البلوغ والعقل والذكورة والحرية والإيمان (بالمذهب طبعا)، بغض النظر عن اللغة أو العرق أو الجنسية، وقد لعب علماء من العرب والترك والتركمان والأفغان والهنود دورا محوريا في قيادة الحوزات العلمية وتوجيه الفكر الفقهي عبر القرون .. قد يخطر ببالك أن هذا موقف تاريخي نظري لا وجود له في الواقع المعاصر .. إليك بعض أهم من تولوا المرجعية العليا من غير الفرس في زمننا الحاضر:
ومن المراجع الكبرى وأعلام الفقه الجعفري الإثنى عشري الذين رجع إليهم المقلدون حول العالم في القرن الأخير وهم من العرب الخلص الشيخ محمد باقي الناصري والشهيد محمد باقر الصدر والسيد محمد سعيد الحكيم والشيخ باقر الأيرواني، ومثلهم من الترك الأذريين الشيخ محمد تقي الأملي والشيخ جواد التبريزي والشيخ حسين كاشف الغطاء.
كما أن عددا من مؤلفات المراجع من غير الفرس (مثل السيد الخوئي والشهيد الصدر) ما زالت تدرس حتى اليوم في الحوزات العلمية الإيرانية ويخضع لها الطلاب الإيرانيون بخشوع وإحترام، تماما كما يدرس طلاب السنة كتب أئمتنا الأعلام من كل الأعراق.
إن محاولة إسباغ الصبغة الفارسية على التشيع لا تستند إلى أي أساس علمي أو تاريخي أو واقعي، وهي جزء من الدعاية السياسية التي ترمي لدفع جماهيرنا لإعتبار الشيععة غرباء عن الواقع العربي، بينما هم جزء من نسيج الأمة ينتمون لكل أعراقها.