17- مغالطات سلفية .. أين "الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة"؟

منذ 4 اسابيع | 2332 مشاهدات

قبل أن ندخل في الموضوع أود التذكير بما قررناه في بداية هذه السلسلة: نحن لا نأمل خيرا من نظام الملالي الذي أسسه الخوميني، ولا نرى إحتمالات للتحالف معه، لكننا نريد الحفاظ على إيران وشعبها، لأننا نعرف بوجود تيار آخر قوي ومتدين ومخلص يريد إستعادة الخط الإسلامي الديموقراطي الذي أوصل الدكتور محمد مصدق لرئاسه الوزراء وآية الله كاشاني لرئاسة البرلمان، وسنعود لهذا التيار وقدرته على تغيير الواقع الإيراني بعد ننهي حديثنا عن الحرب .. ونذكر القارئ بتجربة نور الدين وصلاح الدين التي حاربت لمنع سقوط الدولة الفاطمية في يد الصليبيين، مع أن عقائد الإسماعيلية كانت خروجا كاملا عن الإسلام .. دون أن ننكر أي من مساوئ الملالي، لا ينبغي السماح بسقوط إيران في براثن الحلف الصهيو أمريكي.

* * * * *

يردد الوهابيون، الذين يريدون إحتكار صفة "السلفيين"، أنهم يتبعون الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، فما هو فهم خير القرون، صحابة رسول الله (ص)، في التعامل مع الخلافات الإعتقادية في زمن الحرب؟ .. إنه: التوقف عن الخوض فيها مهما كان إنحرافها حفاظا على وحدة الصف .. هل تعرف خلافا عقائديا أعمق مما هو بين المسلمين والمسيحيين؟ .. عندما إنضم المسيحيون العرب للجيش الإسلامي أمر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب (رض) قادة المسلمين وجندهم بالتوقف عن الخوض في مناقشات عقائدية مع شباب المسيحيين الذين يقاتلون معهم، وهاك القصة كما وردت في "فتوح البلدان" للبلاذري و"تاريخ الطبري" وغيرهما من المراجع.

عندما إشتبكت الدولة الإسلامية مع إمبراطوريتي الفرس والروم إختارت بعض القبائل العربية المسيحية التي تمسكت بدينها أن تنضم للمسلمين بدافع العروبة، أهمها قبائل تغلب ونمر ولخم وجذام، وكان لهذه القبائل دور وازن وبطولات مسجلة، وحدث أن إشتكى زعماء المسيحيين للخليفة من محاولات لدفع شبابهم لإعتناق الإسلام، فكتب عمر (رض) إلى قادته أن "كفوا عن دعوة أبنائهم وذروهم وما إختاروا، فإننا نقاتل بهم لصد العدو لا لنفتنهم عن دينهم"، هذا هو فهم سلف الأمة للكتاب والسنة: توقفوا عن إثارة الخلافات العقائدية مهما كان عمقها وتراصوا صفا واحدا للدفاع عن دار الإسلام.

لاحظ أن القبائل المسيحية لم تقاتل دفاعا عن الإسلام ولكن عن أرض العرب، وفي هذا رد على من يعترض على تأييد إيران لأنها لا تحارب في سبيل تحرير القدس بل دفاعا عن نفسها .. فقه الصحابة لم يطلب من المسيحيين القتال دفاعا عن الإسلام، يكفي أنهم يقاتلون عدوا يعتدي على الوطن المشترك.

رغم ذلك ينشط الآن بعض من يسمون أنفسهم "السلفيين" للسجال مع الشيعة حول عدد من المسائل التي قتلت بحثا، ولا يبدو لهذا من هدف إلا صرف جماهير السنة عن التضامن مع إيران، وهم لا يكفون عن ترديد عبارات مثل "دين الشيعة" و"دين الروافض"، لتكريس فكرة أنهم ليسو مسلمين .. لقد ذكرنا ما كان معروفا قبل هوجة الوهابية من أن الإثنا عشرية بدعة لكنها لا تخرج من الملة (راجع: "قرآننا وقرآنهم" وعتساف معاني للآيات" و"مسائل مزعجة")، ولم نكن إلا متبعين لفطاحل العلماء، من بينهم الشيخان محمود شلتوت وعبد المجيد سليم شيخي الجامع الأزهر الأسبقين، والشيخ محمد أبو زهرة، وغيرهم، ومن قبلهم إبن تيمية، الذي كان من أكثر العلماء تشددا في مسائل التكفير والتبديع والتفسيق، ومع ذلك ذهب إلى أن عوام الإثنا عشرية يعذرون بجهلهم، ومنهم الصالحون ظاهرا وباطنا، أما علمائهم فلا يحكم بكفرهم إلا بعد إقامة الحجة عليهم، فحتى لو أخذنا بهذا الرأي المتطرف لقلنا أن شعب إيران شعب مسلم، ففيهم نسبة لا بأس بها من السنة، أما الشيعة ف99.9% منهم عوام يعذرون بجهلهم ولهم حكم الإسلام .. المسلمون لهم حق النصرة، لكن الوهابيون ينكرون عليهم هذا الحق.

أزعجني كثيرا فيديو لأبي عمر الباحث، فقد كنت أجده عاقلا منضبطا بقواعد التفكير المستقيم، لكنه هنا يشنع على الشيعة بغير إلتزام بأي قواعد لأي بحث (الفيديو على الرابط:https://www.youtube.com/watch?v=ENsWITrgfCw&list=TLPQMDQwMzIwMjbRgDGDfXQydw&index=8)، فيقول بالنص "هل تعلم يا أخي أن الشيعة يحرمون التحالف مع المسلمين في الجهاد ضد الكفار، جديدة دي .. صح؟ .. دا كتاب شيعي إسمه الحبل المتين في وجوب البراء من أعداء الدين لشيخ الشيعة عبد الزهراء المرتضوي .. شوف بيقول إيه: لا يجوز الجهاد مع العامة، كما لا يجوز الإعانة بهم وبدولتهم إطلاقا، بل يجوز الإعانة عليهم إن كان فيه منفعة للمؤمنين .. العامة اللي هما أهل السنة .. عرفت يا أخي عقيدة الشيعة الحقيقية؟ سيبك من تصريحات الجماعة الساسة بتوعهم اللي بينخدع بيها العوام والبسطاء، إنت شفت حد من الشيعة طلع أنكر هذا الكلام إللي أنا قرأته عليك ده؟ .. .. تاريخ الرافضة وحاضرهم مشحون بالخيانة والغدر .. عقيدة الشيعة إنهم مايحاربوش مع المسلمين، إنما يجوز في دين الشيعة أن يعينوا الكفار في حربهم على المسلمين، وهو ده اللي عملوه عبر التاريخ ......" .. لقد فندنا في المقال السابق أكذوبة أن الشيعة كانوا عبر التاريخ يقاتلون مع أعداء الأمة، لكن دعنا الآن نناقش هذه الطريقة المعيبة في الإستدلال على قضية يريد أن يخرج بها 300 مليون نسمة من الإسلام وهم يشهدون الشهادتين ويقيمون الأركان، فهو يتصيد سطورا في كتاب لا يعرف شيئا عن كاتبه، ولا يعرف شيئا عن القيمة العلمية للحكم الذي ينقله، أهو الراجح أم هو مرجوح أم هو شاذ لا يعرف في المذهب، ولا يكلف خاطره بالبحث في كتب أعمدة المذهب ليتعرف على الرأي أو الآراء المعترف بها عندهم في المسألة .. هذه ليست من طرق طلاب الحق.

ا"لحوزات العلمية (معاهد العلم الشيعي) تفرق بين "المحقق الفقيه" الذي يحق له إستنباط الأحكام و"الخطيب" أو"القاص" الذي يجمع الروايات العاطفية ويستخدم الأساليب الخطابية (وليس الإستدلال العلمي) في كتاباته السجالية، وعبد الزهراء هذا كاتب معاصر من النوع الثاني، فهو ليس مرجع تقليد وليست له رسالة علمية وينتمي لتيار فرعي متشدد يعرف بالتيار الشيرازي، ومؤلفات هذا التيار غير معتمدة ولا يتم تدريسها في الحوزات العلمية، فلا يجوز من ثم الإستشهاد بها على المذهب في أي قضية.

ويتساءل "الباحث": إنت شفت حد طلع أنكر هذا الكلام؟ .. لا يا شيخ، أين بحثت فلم تجد؟ .. الكاتب أتفه من يتناوله بالإسم أي من المراجع الكبار، لكنهم ردوا على الإتجاه الذي ينتمي إليه، فعدد من أكبر المراجع المعاصرين (كالسيستاني والخوئي وخامنئي) أصدروا فتاوى صريحة تحرم التعاون مع القوى الخارجية ضد المكونات الإسلامية الأخرى، وقد إشتهر عن السيد على السيستاني، المرجع الشيعي الأعلى في العراق، قوله "لا تقولوا إخواننا السنة، ولكن قولوا أنفسنا" .. "يدعي الباحث" أن هذا ليس إلا كلاما يضحكون به على السذج .. يا سلام .. هل بحثت في كتبهم المعتمدة فوجدت كلاما مختلفا .. تعال نستعرض أحكام الجهاد المستقرة عند الإثنا عشرية منذ القرن الرابع الهجري:

  • "الجهاد الإبتدائي"، أي القتال لفتح بلاد غير المسلمين، متوقف في زمن غيبة الإمام المهدي ولا يجوز إلا بإذنه، أما "الجهاد الدفاعي"، أي القتال لحفظ بيضة الإسلام من العدوان الخارجي فهو واجب على كل قادر بإجماع مجتهديهم منذ تأسست قواعد المذهب.
  • لا يجوز القتال مع الحكام الجائرين في صراعهم على السلطة، ويبوء من يقاتل معهم بالإثم، وهذا متعلق بصراع الأمراء المتغلبين فيما بينهم لبسط النفوذ داخل دار الإسلام، وهو مختلف عن قيام هؤلاء الأمراء مهما كان جورهم بصد العدوان الخارجي، لذلك إنخرط الشيعة في جيوش نور الدين وصلاح الدين في حروب الصليبيين ودافع الحمدانيين عن ثغور الإسلام ضد البيزنطيين (راجع المقال السابق).
  • لا يوجد في المصادر الفقهية المعتبرة عندهم قديما أو حديثا أي فتوى تجيز إعانة غير المسلمين على أهل السنة، بل على العكس، هناك قواعد صارمة تحرم "الركون إلى الظالمين" أو "إعانة الكفار على المسلمين".
  • يختلط الأمر على البعض بسبب وجود أحكام خاصة في الكتب القديمة متعلقة بالنواصب، وهناك تمييز واضح في الفقه الشيعي بين "السني" و"الناصبي"، فالناصبي هو من يعلن العداء لآل البيت، فهؤلاء لهم أحكام مشددة (ومع ذلك لا توجد فتوى واحدة بجواز الإستعانة بغير المسلمين على النواصب لما فيه من تدمير لجزء من دار الإسلام)، أما السنة الذين لا يؤمنون بولاية الأئمة لكنهم لا يناصبون آل البيت العداء فإن أموالهم ودماءهم حرام عند الإثنا عشرية منذ تأسس المذهب.

وجد بالطبع أمراء من الشيعة خالفوا أحكام المذهب، وأفعالهم ليست حجة على الشيعة، بالضبط كما أن أفعال الأمراء السنة الذين تحالفوا مع الصليبيين ليست حجة على مذاهب أهل السنة.

عيب أن تعتمد على مؤلفين وكتابات يدمغها مراجع الشيعة بالغلو والشذوذ عندما تريد التعرف على أحكام مذهبهم، بالضبط كما أننا لا نعتمد على أقوال الدواعش والحدادية عندما نريد معرفة فكر السلفيين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

شارك المقال